رجل "فقعان" !

تم نشره في الخميس 23 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

على غرار مبادرة " الطفل الزهقان"، التي أطلقتها إحدى مؤسسات رعاية الطفولة، قبل أيام، أقترح أنا الرجل الذي لم يعد يعيرني المجتمع أدنى انتباه، إطلاق مبادرة مشابهة لرجال العصر الحديث، تحت عنوان "مبادرة الرجل الفقعان"!

وما أطالب به ليس نكتة، ولكم أن تأخذوا أي "رجل من هذا الزمان"، كعينة عشوائية، وتضعوه على مقياس "ريختر"، أو أي "ثيرموميتر" حراري، لتكتشفوا، أنه موشك أن "يفقع"، فعلا، من دون أن يشعر أحد بذلك، لأن أحاسيس الرجل ينبغي أن تظل محشوة بورق "السلوفان"، في الأفران، ومن العار أن يطلع عليها أحد، لاسيما النساء!

أقول النساء، ولتعذرني "القوارير"، لأن "امرأة هذا الزمان" تتحمل جانبا مهما من مسؤولية الهوة التي بلغها الرجل، الذي يجد نفسه، في هذه الأيام مطالبا، يوميا باعتذار "تاريخي" جديد عما ارتكبه أسلافه، من ظلم بحق المرأة!

فالمرأة، كلما عثرت، أثناء تنقيبها في تاريخ العلاقة السرمدية بين الطرفين، على أي "تجاوز" أو تمييز ذكوري ضدها، سرعان، ما توجه أصابع اللوم إلى الرجل المعاصر، بل وربما، تقدم، أحيانا، على محاولة الانتقام غير المباشر، من الرجل، وبخاصة من المحيطين بها، وتساندهـا في ذلك منظومة متزايدة من الجمعيات والاتحادات والقوانين، والجهات المعنية بقضايا المرأة، التي تتناسل، يوميا بمعدلات كبيرة، وتحت مسميات عديدة، حتى ليشعر المرء أحيانا، أن ثمة "نكبة نسائية" تعصف بالمجتمع، وتحتاج، إلى "مساعدات عاجلة" لإنقاذ المرأة، من سلسلة زلازل ذكورية متتابعة!

والرجل عليه أن يثبت، يوميا، أنه رجل مختلف عن سابقيه، عليه أن "يؤنث ذكورته"، كلما صادف امرأة، أو تعامل مع امرأة، أي أن يدفن ذكورته كلها، أو يعتذر عن ذكورته، على أقل تقدير، حتى يبرهن أنه "بريء" من تاريخ أجداده!

أما طريقة "الاعتذار التاريخي" للرجل، من المرأة، فيتمثل أبسط أشكالها، في إشعار المرأة، على مدار اللحظة، بأنها لم تعد "جارية"، مثلا، لأن هذه المفردة، تحديدا، تتردد على لسان معظم النساء، وعند أبسط خلاف ينشأ بين الرجل والمرأة، فالمرأة، للأسف، تحمل هذه العقدة منذ عصور ما قبل التاريخ، وتحاول أن تنتقم لبنات جنسها، حتى الأسلاف منهن، عن هذه العقدة، لا من الرجال الأجداد، بل من رجال العصر الحديث، لأنها تعتقد أن "الرجال متشابهون"، كما تردد باستمرار.

ولا حاجة، بالطبع، للتأكيد، أن معظم "رجال هذا الزمان"، يحترمون المرأة ودورها، لكنهم يرفضون "تقديس" المرأة، لأنهم يعتبرونها كائنا بشريا، في نهاية المطاف.. كائنا يحب، ويكره، ويأكل.. منه الصالح ومنه "الطالح"، منه العالم، ومنه الجاهل.. كائنا يمكن أن يتجاوز كل فضاءات أنوثته وحنانه، ويقدم على قتل أطفاله، أحيانا، ويمكن أن يشعل النار بجسد شريك حياته، ويمكن أن يسرق و"ينصب" و"يحتال"، ويمكن أن "يكيد" ويحوك المؤامرات، ويمكن أن يضرم نار الحروب، والفتن، فللأنوثة أنيابها، أيضا، على غرار الذكورة، أو ربما أكثر حدة في بعض الأحيان، إذا فتحت الأبواب لغرائزها على وسعها.

والغريب أن المرأة التي تمردت على عصور الاستعباد والجواري، نرى نماذج منها، اليوم، على استعداد لـ"الاسترقاق"، أي تقديم نفسها، "جارية" و"عبدة" في أسواق إشباع الغرائز الجسدية و"الإعلانية"، وغير ذلك الكثير، بما يشعر حتى المدافعين عن حقوقها بالحرج أمام هذه الازدواجية والتناقض ما بين الأقوال والأفعال، ذلك أن الحرية المطلقة تضاهي العبودية المطلقة، أيضا.

قلت إن أي رجل معاصر "فقعان" فعلا، لأنه بدأ يشعر، أنه بلا أية حقوق، وبأنه وحيد في معارك الأعباء الحياتية والمعاشية، وبأنه "مأكول مذموم"، فالكل يطالبه، ولا أحد يعطيه، وهو متهم، على الدوام، بأنه سبب الظلم، كله، الذي يحيق بالمجتمع، بنسائه وأطفاله، وليس ثمة من يدافع عنه، أو يتبنى مطالبه وحقوقه، ولا أحد يرفق بـ"قوارير" الرجولة المهشمة، في أعماقه. باختصار، عليه أن يدفن مشاعره كلها في مقبرة جسده، لأنه "رجل فقعان من هذا الزمان"!

basel.talouzi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المرأة الأم أم الأنباء كلهم (د. عبدالله عقروق / فلوريد)

    الخميس 23 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    المرأة الأم أم الأنبياء ، والرسل ، والملوك والعظام ..المرأة الأم هي أم الناس جميعا ..لو وقف كل رجل في عالمنا الحاضر وسال نفسه كبف وصلت الى هذه الذروة في العلم والثقافة والأخلاق والسيرة الحسنة لولا وجود المرأة الأم ..المرأة الأم هي التي صنعت الرجال ، والوظائف والرتب ...نحن نمكن أن نأخذ الحصان الى جدول المياه .ولكننا لا نقدر ان نغصبه ليشرب منها ..فالذكور الفاشلون ليس من تربيتهم ، أنما رفضهم للشرب من ماء الجدول
    أما بالنسبة أن النسر العربي يطير بجناحية الأثنين الى السحب ..فنجن الذكور لا نزال نطير بجناح واحد ، ولم نعلو عن سطحح البحر سوى بضع امتار قليلة جدا.
  • »الحرية والعبودية (أردنية)

    الخميس 23 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    (ذلك أن الحرية المطلقة تضاهي العبودية المطلقة، أيضا). عبارة رائعة تلخص ما وصل إليه الحال، وهو ما يدعوني للتساؤل لماذا التطرف في كل شيء؟ لماذا الأشخاص إما متزمتون وإما متحررون، ولماذا المرأة تريد أن تكون إما حرة تماما أو تقبل بالعبودية والمهانة؟ وأين الحل الوسط من كل هذا؟؟

    أما بالنسبة للرجل الفقعان، فجميعنا سنفقع يا عزيزي وليس فقط رجلك. أتمنى أن لا ندخل في دوامة الاتهام المتبادل بين الرجل والمرأة في سبب خراب الكون وأن نعمل على بناء جسور الثقة والمودة والاحترام من جديد فالحياة دون أي منا لا تكتمل.
  • »ابدعت يا باسل (hamzeh siam)

    الخميس 23 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    انت ياباسل مبدع ‏،‏ ودائما تكتب عن مشاكل المجتمع بصراحة وشفافيه .
    شكرا ابو عمر ،‏ انا انتظر ابداعات أخرى ‏