الهروب الى الإمام

تم نشره في الخميس 23 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

في دول العالم الثالث، ونحن منها، لا يفرق الكثيرون بين الدولة والحكومة، وهو أمر طبيعي في ظل غياب تداول حقيقي للسلطة نتيجة غياب او ضعف الديمقراطية الحقيقية، فيتم اختصار الدولة في الحكومة واختصار الحكومة في أشخاص، ويصبح انتقاد هؤلاء الاشخاص هجوما على الدولة في نظر البعض ويتعرض المنتقدون الى اتهامات باللاوطنية لأنهم تعدوا على مؤسسات الدولة، بينما هم في واقع الامر لم يفعلوا إلا انتقاد ما يقوم به بعض الأشخاص، وهكذا نظل ندور في حلقة مفرغة عنوانها عدم التفريق بين الدولة ومؤسساتها والحكومة وأشخاصها.

لا يوجد في الديمقراطية أي تبرير لغياب الرقابة والمحاسبة بحجة ان هذه سياسة دولة، فالدولة لا سياسة لها، لأن السياسة مرتبطة بالحكومة، وهذه الأخيرة ليست فوق النقد والمحاسبة، فالسياسات الحكومية يجب أن تكون خاضعة لرقابة المواطنين من خلال ممثليهم في المجالس التشريعية المختلفة وأحزاب المعارضة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، وتشمل الرقابة الحكومة كسلطة تنفيذية أو أفرادها كأشخاص يمثلون هذه السلطة.

والحق يقال إن أغلب السياسيين في بلدنا مدركون لواقع الخلط بين الدولة والحكومة، ما يمكنهم من استخدام أدوات هذا الواقع بكفاءة لحماية أنفسهم من أي نقد او محاسبة، فيتعمدون خلط الحابل بالنابل، ويردون على النقد بعبارات الاتهام المبطن أحيانا والصريح أحيانا أخرى، في استراتيجية لا تهدف إلا الى الهروب الى الأمام من استحقاقات المساءلة والمحاسبة والشفافية، التي يفترض أن تكون قيما مطلقة ومحسومة وغير قابلة للنقاش أو الجدل في المجتمعات الديمقراطية الحقيقية.

هذا ليس تنظيرا أو مجرد صف للكلمات والمصطلحات، بل هو محاولة لتفسير الطريقة التي تدار بها القضايا محل الجدل في بلادنا، فالعنوان الدائم هو الهروب إلى الأمام من استحقاق المساءلة بتوجيه دفة الحوار إلى جهة أخرى بدلا من معالجة جوهر المشكلة، ما يؤدي إلى دفن مؤقت لإفرازات هذه المشكلة من دون علاج حقيقي لمسبباتها، وهو ما يعني احتمال تجددها ولو بشكل آخر ولون مختلف وظروف أخرى.

الأمر لا علاقة له بالسياسة حتى وإن كانت بعض القضايا محل الجدل ذات صبغة سياسية، الأمر له علاقة بعدم تفعيل مبادئ أساسية كالشفافية والرقابة والمساءلة، وهي مبادئ غير سياسية ولكن وجودها مرتبط بالسياسة، فكيف يمكن لمجلس نواب لا يتكون من أحزاب سياسية أن يكون رقيبا على حكومة لا تتشكل من أحزاب سياسية، وكيف يمكن لأي شخص أن ينتقد أي مسؤول حكومي إذا كان الرد جاهزا بأن هذا النقد هو تجاوز على مؤسسات الدولة؟

mohammad.alhusaini@alghad.jo  

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تجاوز على مؤسسات الدولة (ahmad)

    الخميس 23 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    احييك اخي الكريم على هذا المقال الرائع الذي اتمنى ان تصل رسالته الى كل المواطنين فاذا اخطا المسؤول بغض النظر عن مسماه ان كان وزير او عين او نائب او حتى رئيس الوزراء يجب محاسبته، ومحاسبته لا تعني اللاوطنية بل على العكس تماما هي الوطنية بكل معاني الكلمة فلا احد فوق القانون .