محمد برهومة

ثنائية الفقيه والموسيقيّ

تم نشره في الثلاثاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

كان الفيلسوف كلود ليفي شتراوس يؤكد باستمرار أن "الإبداع لا يكون إلا على الحدود بين ثقافتين". وفي الحضارة العربية الإسلامية كان الدين مكوِناً من مكونات أخرى عديدة صاغت هذه الحضارة، التي تجاوزت المستوى الديني بالمعنى الضيق له. أي أنّ النظام الحضاري تكيّف بالدين، من دون أن يكون النظام كله دينيا، وهذا السرّ هو الذي أنتج الحضارة العربية الإسلامية وجعلها تتطور بفعل منطق داخلي أفرز تجارب حضارية عديدة ومتنوعة،أسفرت عن حلول مبدعة لقرون، إلى أنْ جمُدتْ وعادت مجددا إلى الخوف من الآخرين و"غزوهم الفكري"، فرجعتْ قرونا إلى الخلف، حين لم تتمكن هذه الحضارة أنْ تعيد بناء الذات عندما تغيّر العالم من حولها ولم تعد هي من ينتج التعريفات والمعايير فيه.

السرّ الذي أنتج الحضارة العربية الإسلامية كان مفاده: القوي من ينفتح على الآخرين ويعتقد أن المعرفة والحقيقة موزعة وليست حكرا لطرف واحد، والضعيف من يخاف على ذاته من الآخرين، ويتقوقع على نفسه واهماً بأنه مكتفٍ بما لديه وأنه لا حاجة له لأخذ الدروس من الآخرين.

زمن الصعود الحضاري، كان حب المعرفة فيه أقوى من الخوف على الذات والهوية، بل إنّ هذا الحب المعرفي والانفتاح الثقافي على ثقافات الأمم الأخرى هو ما قوّى الذات، وبدلاً من أرتال الكتب عن "الغزو الفكري" كنّا نجد أمثال البيروني من يبحثون، على سبيل المثال، في وثنيات الهند وثقافات أهلها الدينية وهو ما سطّره في كتابه : "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة".

الانفتاح أو الانغلاق محددان أساسيان للحكم على أيّ فكر إنْ كان حافزاً على التقدم أو معرقلا ومعوقا له. وهذا الانفتاح والانغلاق معيار الإجابة عن تساؤل مهم وهو: لماذا تم اختطاف فكرة النهضة والإصلاح التي دعا إليها الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما لتصبح الفكرة أكثر تشددا وسلفية على يد من جاء بعدهم؟!. وفي هذا الصدد يقول رضوان السيد إن "محمد عبده كان متقدما على محمد رشيد رضا، والأخير كان متقدما على حسن البنا، والبنا كان متقدما على سيد قطب، والأخير كان متقدما على عمر عبد الرحمن" وهكذا... ومن أول ما تتشدد فيه الأفكار والحضارة حين تنغلق الفنون النظرة إلى المرأة والحريات الشخصية. وهذا أيضا محدّدٌ أساسي في الحكم على الأشياء ونقدها، وهو ما دفع الباحث العراقي رشيد الخيون لأنْ يصف انفتاح الحضارة العربية الإسلامية عند صعودها بأنها "جمعت بين ثنائية الفقيه والموسيقيّ". وذهب الباحث التونسي محمد الحداد إلى أبعد من ذلك بالتأكيد أن التفوق الإيماني وحده لا يستلزم بالضرورة تفوقا حضاريا ( اجتماعيا وسياسيا وفكريا). ولذا فهو يميّز بين مستويات ثلاثة في معنى الدين: أي الدين من جهة كونه معطى إيمانيا ذاتيا، والدين من جهة كونه معطى اجتماعيا وثقافيا، والدين من جهة كونه مخزونا نفسيا للتحريض والمقاومة. ولم يتحول الدين، برأي الحداد، من شعورٍ إلى معرفة ٍ ( تحضّ على التقدم والإبداع والإنتاج الحضاري) إلا باقتباس المعارف الكونية التي كانت متاحة في حدود العصر الوسيط، ومنها الفلسفة والآداب والعلوم.

قصارى القول: إن الأفكار تزدهر والحضارات تتسع حين لا تضيق بأحد، فيجد فيها الجميع متسعا يضمهم ويحميهم بقوة القانون، ومتى زاد الضيق كانت الأفكار والحضارات والدول إلى الأفول أقرب.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعقيب (ياسر أحمد)

    الثلاثاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    شكرا على المقال الذي ينبه إلى أهمية الاستفادة من الآخر والانفتاح عليه، ويبين أن الحياة أخذ وعطاء، ولا يوجد عاقل يخالف في ذلك أو يمنع من ذلك، لكن: ألأ ترى أنه بجانب أهمية الانفتاح لا بد من الانتباه إلى نوايا الآخر وحبه للسيطرة وبسط النفوذ وهيمنة فكره وثقافته، ألا ترى أن المسلمين على مدى عصورهم انفتحوا على الآخر بينما الآخر تربص لهم بالمرصاد وإليك ألأمثلة : محاكم التفتيش في الأندلس، الحروب الصليبية، الاستعمار الحديث، الغزو الفكري والأخلاقي، مجازر الصرب في البوسنة، وقبلها مجازر الثورة البلشفية وسحق مسلمي الاتحاد السوفييتي وإرغامهم على الإلحاد والشيوعية، والأمثلة كثيرة، أرجو تفسيرها أو تبريرها
    ثم ماذا تفهم في غرس إسرائيل في خاصرة العالم العربي والإسلامي والدعم اللامحدود من أمريكاوالغرب لها ؟؟!! هل هذا فيه انفتاح أو يساعد على أجواء الأنفتاح وهم قد أشغلونا بالحروب والفقر، و....
    ثم ألا توافقني أخي الكريم أن الانفتاح على الآخر لا بد أن يكون في ظروف من تكافؤ القوة وإلا أصبح الأمر فرض ثقافة على غيرها ؟
    ثم هل الانفتاح يحسنه كل أحد أم لا بد أن يتصدى له أهل العلم والفكر وحكماء الأمة حتى نتجنب أخطاء الآخر ونتسفيد مما عنده مما هو مفيد دون الضار
    ثم ألا ترى أن المشكلة ليست مشكلة انفتاح بمقدار ما هي مشكلة إدارة للحياة، حيث إن الفساد بكافة أجناسه ينخر فينا حتى العظم، فكيف ننفتح على الآخر ونحن مشغولون بلقمة العيش، وقبل أن أنهي تعقيبي على مقالك القيم، أرجو إعلامي من هو المسؤول عن كوننا في مؤخرة الأمم في البحث العلمي والتنمية، ولا يوجد جامعة عربية واحدة ضمن أحسن ألف جامعة في العالم،
    مع أن الذين استلموا إدارة جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية والبحثية وغيرها هم من تخرج في جامعات الغرب وهم دعاة الانفتاح والتقدم والديموقراطية و,,,,, ثم ليكن في علمك أن ما ينتج في إسرائيل من البحث وبراءات الاختراع أضعاف ما هو موجود في العالم العربي مجتمعا.
    ودمت سالما للبحث العلمي والدععوة للانفتاح،والتقدم وإلى الأمام
    ثم م
  • »كن واقعيا (عمر)

    الثلاثاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    كنت أتمنى منك أن تكون واقعيا أكثر من ذلك. كنا خير أمة عندما حكمنا من يحترم الفقهاء. و خير حكامنا كانوا هم الفقهاء, مثل "عمر بن عبد العزيز". ثم تدهور حالنا عندما حكمنا العلمانيون بقيادة "أتاترك". و زاد تدهورنا عندما خلفه حكام يحاربون علماء الدين. و وصلنا لأهون الأمم عندما تطاول مثقفونا على علمائنا, كما هو حالنا اليوم. نحن الآن من أهون الأمم, تتلاعب بنا الأمم الأخرى, ليس لأن حكامنا فقهاء, بل لأنهم من تدعو حضرتك إليهم. و إنشغلت شعوبنا بقشور و فضلات الغرب من موسيقى و سينما و العاب رياضية و الثقافة السطحية الفارغة, بإسم الإنفتاح على العالم. نعم! هذا هو حال حكامنا و شعوبنا, هم فعلا منفتحون, و ليس الدين هو حالهم, كما تفترض حضرتك بمقالك. و لهذا نحن أهون الأمم.
    في أكثر من مرة يصل الفقهاء للحكم في بلادنا تثور ثائرة الغرب و عملائهم لإفشال تلك الحكومة. لماذا؟ إذا كنت أنت لا تعتقد, فهم يعتقدون أن الدين الإسلامي من سيقودنا لخير الأمم. العلوم نوعان, علوم دنيوية لخدمة الإنسان, و علوم دينية لوضع الرؤى و توجيه العلوم الدنيوية. و بلا دين, كيف ستكون وجهتنا؟ بالضبط كما هو حالنا اليوم.