علاء الدين أبو زينة

باتجاه الشمال البعيد..!

تم نشره في الثلاثاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً


بعد نكسة 67، دخل حياة عائلتي اللاجئة قبل ذلك شيء جديد: نزحت عمتي مع عائلتها، وأسكنتهم "الوكالة" في مخيم شمال المدينة، وأصبحنا نذهب في العطل المدرسية لزيارة عمتي والمخيم. وكان المخيم حينذاك قطعاً من قماش "الشادر" الخاكي اللون، تنسدل مائلة على جانبي الأعمدة مثل يدين محايدتين. وكانت الخيام توثق إلى أوتاد مغروسة في لحم الأرض. وحين يزخّ المطر، يرخي التراب المائع قبضته، فتنسل الأوتاد من أصابعه، وتترك الخيمة طليقة في الريح. وقد تشرع بالزحف، وهي تجر أعنتها الفالتة، صانعة في جسم الأرض المبتلة أثلاماً صغيرة لا تلبث حتى تندمل، قبل أن تسرح متسكعة في عاصفة الليل، تاركة لاجئيها نهباً للعراء والبرد وهجمة المطر.

كانت رحلاتنا المتباعدة إلى المخيم مناسبة لاحتفال الطفل الذي كنته في ذلك الوقت. ولم تكن سنوات عمري الست معنيّة آنذاك باكتشاف العلاقة بين المخيّم والفجيعة، وإنما فقط بكسر الرتابة. كنت أحب أقاصيص الكبار الذين يضحكون كثيراً في أمسيات المخيم وكأنهم في انتظار شيء سيأتي، وأحب ابن عمتي الذي يقاربني في العمر، ويطلق ضحكة مجلجلة شبهها أبي بالصهيل. وكنت أنتظر تلك الرحلة في الحافلة مع أختيّ وأبي وأمي، حين نخرج من المدينة في الطريق البعيدة المتلوية وسط الخضرة، حتى نطل من أعلى التل على السهل المنبسط المزروع بصفوف الخيام خضراء اللون على مد البصر. ولا أدري كيف كان أبي يعرف أين ينبغي أن نترجل، لكنه كان يدق جدار الحافلة، فننزل دائماً في المكان الصحيح، أمام خيام عمتي الثلاث التي تشبه تماماً مئات الخيام المزروعة في السهل الفسيح.

من تلك الأيام، لا تفارقني ليلة شتائية أمضيتها هناك، وكأنها من زمن آخر. كان المطر ليلتها حنوناً بلا ريح، وقد صنع قماش الخيمة عالماً مكتملاً هناك في الداخل، منفصلاً عن الظلمة والمطر. وكان نصيبي من الخيمة الصغيرة دكة صنعت من خشب الطوبار الخشن والمسامير كيفما اتفق، وفرشت بحشية محشوة بالقطن. وعلى عمود الخيمة، تعلقت "لمبة" كاز يرسل فتيلها المحاصر ضوءه الكابي من خلف زجاجة اسودّ أعلاها بفعل السخام، فيرسم الظلال مكبرة على طيات الفراش وكيس الطحين نصف الفارغ المنهدّ في الزاوية. وتحت البطانيات الدافئة، كان مزيج من النعاس، والارتجافات اللذيذة التي تسيل في الأطراف كلما دقت أصابع المطر نغمتها الرتيبة الموصولة على القماش الخشن، وثرثرة البنات التي تصل بلا معنى في المسافة الرمادية بين النوم والصحو. كله اندغم في سيمفونية الليل والمطر ليصنع عالماً سحرياً لا تسعه اللغة.

وتغير المخيم. كان ينبغي أن يكون مؤقتاً، فلم تكن فيه في البداية سقوف مكتملة التكوين والمعنى. ومع الأيام، ملّ الناس الانتظار، فأخلت الخيام مكانها لصناديق كبيرة من "الإسبستوس" الرمادي المرتجل وزعتها وكالة الغوث. وأصبحت تبدو من أعلى التل مثل صفوف هائلة من قطع الصابون النابلسي. وفي "المخيم الجديد" الذي أضيف ليسع الناس المتكاثرين، كانت الصناديق حمراء مثل علم الشيوعية. وشيئاً فشيئاً، أصبحت البيوت تُبنى من الطوب غير المقصور المسقوف بألواح من الزنك المثبت بالطوب.

اليوم، بعد بضعة وثلاثين عاماً، أحدق في المطر الليلي الذي ينهال أخرس خلف زجاج نافذتي العريضة، وأحاول عبثاً أن أستحضر شيئاً يشبه اكتمال تلك الليلة المطرية في خيمة عمتي. لكن تلك العاطفة ذهبت مع المخيم، وذهبت عمتي وسافر ابنها مع ضحكته. وقصرت المسافة إلى المخيم: صار يكفي أن أنطلق من منزلي لأصله في عشر دقائق بالسيارة في الشارع العريض، وطوى الزمن الأرض المخضرة تحت أقدام البيوت.

لم يعد هابط التل يميز شيئاً مختلفاً من الأعلى. ثمة فقط زائدة فوضوية أخرى من أطراف المدينة التي اختطفت المخيم، وألبسته سقوفاً كاتمة للصوت، عنيدة أمام المطر ومزروعة بالأطباق اللاقطة وحبال الغسيل. وحين تصبح في الأسفل، تمر بلا انتباه أمام مكان خيام عمتي، وقد احتله بيت مبني بالطابوق الأحمر يقطنه غرباء على جانب الطريق. ومن غبش زجاج السيارة تحت المطر، لا تكاد تلحظ فرقاً ولا عاطفة جديدة، بينما تتابع طريقك الطويل مرتحلاً في الشارع السريع إلى الشَّمال البعيد..!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إبداع (محمود العابد)

    الثلاثاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    إبداع يا علاء- ولا حنين للمعاناة رغم أنها صنعتنا
  • »باتجاه الشمال القريب (حمدان حمدان)

    الثلاثاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    انأ الذي عايشت نشأت هذا المخيم , ذقت برودة طقس ماطر ومثلج , وحل يلصق ( بالصندل ) لا ادري اهتم بالصندل أم بالكتاب أيهما أفضل لدي , الغرفة الصفية شادر والأرضية موحلة والشبابيك فتحات ينزلق منها البرد والمطر , صديقي علاء الدين أبو زينة دائما أتحدث لو شعب عصفت به الأيام هكذا لما استطاع أن يصل إلى ما وصل به الآن أبناء هذا المخيم .
    أتذكر في بدايات سنة 1968 رحلنا من المخيم إلى غرب الشارع العام ليبنوا لنا المكعبات الاسبستية ,نصبنا خيمة صغيرة نسكن بها أنا وإخوتي ثلاثة وأخواتي اثنتان وأمي التي على وشك الولادة وجداتي اثنتان وعنزة أينعم عنزة, كيف يجتمع هذا العدد تحت شادر واحد بمساحة لا تتجاوز 12 متر مربع , والله لا اعلم كيف ! , وفي الصباح كانت الأرض بيضاء تغير لونها من الأحمر إلى الأبيض , والثلج نعمه من الخالق لتثبيت الخيمة مكانها , وما نزال نتحدث لأبنائنا عن حياة المخيم في ذلك الوقت وهم يتوقعون ذلك من نسيج خيالي , كيف تسعة وعنزة في خيمة لم تطير من الثلج ؟ كيف تنامون من شدة البرد ؟ وكيف وكيف وكيف ؟! أسئلة من الخيال لان الفرد الآن ينام مع اخيه بغرفة واحدة ولا يعجبه يريد غرفة لوحده .
    أخي علاء الدين تغير الحال وخرج من المخيم أبناء ذي وظائف عالية ومناصب رفيعة , المخيم أصبح يشابه مدينة باقتصادها وابنتها , توسع العمران بالجوار وعند النظر إلى موقع المخيم وما حوله ليلا من ألتله بأخذك منظر خلاب بمدينة كبيرة مضاءة بمنازلها وشوارعها على بقعة بين جبال خضراء جميلة .
    كل ذلك يمر للذكريات .
  • »فولكلور شعبي لخيام اللجئين والنازحين في المخيمات (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    جاء مقالك اليوم يا اخي علاء الدين فولكلوريا شعبيا عن مخيمات اللاجئين وتطورها الى الشكل التي هي عليه االن ..ولا يزال اسمها مخيم ليومنا هذا .يسكنه شعب فلسطيني ترك بيته ، ومنزله وأثاثه بقوة السلاح ليعيش مشردا في بلاد غريبة عنه.. مدة الهجرة طالت أكثر من ستة عقود ونيف ,والنكسة مر عليه ما يقارب من الخمسة عقود والقضية الفلسطينية لا تزال تترنح في المربع الأول.
    تشبيهك يا أخي علاء تشبيه جميل فيه غزارة وعمق ومساحة .تغيرت السنين واللاجيء والنازح لا يزالان مشريدين في هذا العالم ..لماذا ربنا يقتل جملا ليطعم واويا ؟ لماذا اختار رب العباد لآن يقتل الجمل لتعيش الواويات ؟ هذه حكمته وارادته .غلينا تقبلها دون نقاش ,,اراد الله أن يجعل الفلسطينين كبش الفداء ليتعظ العالم كله ويكف عن بيع اوطانه لآسرائيل ولآميركا ليبنوا عليها القواعد العسكرية الأمريكية ..لقد اجدت ايها الأخ بكتابة فصلا فولكلوريا عن الخيام في المخميات تبددها الأمطار والرياح