"لولا دا سيلفا" في الحكم: البرازيل قوة دولية ثامنة

تم نشره في الاثنين 13 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

على خلاف الزعماء الذين انطلقوا من خلفيات يسارية مشابهة، رفض لولا دا سيلفا انتهاج الشعبوية، كما هو حال الزعيم الفنزويلي هوجو شافيز، واعتمد مقاربات واقعية في التصدي لمشكلات البرازيل الاقتصادية لا سيما مديونيتها المفرطة عند استلامه السلطة. ففي البداية استقبلت الأسواق فوزه بتوقعات متشائمة رفعت عامل المخاطرة في بلده أكثر من ألفي نقطة. لكن لولا دا سيلفا نجح في اختيار فريق اقتصادي كفؤ، مما هدأ من مخاوف الأسواق المالية.

وبخلاف التوقعات، فقد تبنى "لولا" سياسة الحكومة السابقة، حيث عمد إلى تجديد اتفاقات البرازيل مع صندوق النقد الدولي. وبعد ثلاث سنوات (2005)، كانت البرازيل قد سددت كافة ديونها، وأوفت بالتزاماتها تجاه صندوق النقد الدولي، قبل عامين من الموعد المحدد للسداد. ونجح "لولا" في استعادة ثقة الأسواق به، وهبط مؤشر المخاطر إلى نحو 250 نقطة. كما نجحت حكومته في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، ما أثار ثناء المنتدى الاقتصادي الدولي المنعقد في دافوس، عام 2005.

خلال ولايته الثانية، أطلق الرئيس البرازيلي "برنامج تسريع النموGrowth Acceleration Program"، وهو برنامج استثماري يهدف إلى حل عدة مشكلات كانت تعيق التوسع السريع للاقتصاد البرازيلي. وتضمن هذا البرنامج بناء وإصلاح الطرق والسكك الحديدية، تبسيط وتقليص الضرائب، وتحديث إنتاج الطاقة في البلاد. وقد خصص لهذا البرنامج ما يعادل 250 بليون دولار أميركي خلال أربع سنوات.

وبرغم معارضته المعلنة لسياسات الخصخصة، إلا أنه اعتمد سياسة "الشراكة" بين القطاعين العام والخاص في تنفيذ سبعة مشاريع فيدرالية للسكك الحديدية. والمهم أن البرازيل بعد أن كانت تتصدر قائمة الدول الأكثر مديونية لعدة عقود، أصبحت في مطلع 2008، لأول مرة بلداً متحرراً من المديونية، وتحول تصنيف ديون البرازيل من "محفوفة بالمخاطر" إلى "درجة الاستثمار".

لم ينجح لولا دا سيلفا في تحرير البرازيل من وطأة الديون الخارجية فقط، بل نجح أيضاً في تحويل الاقتصاد البرازيلي إلى ثامن قوة اقتصادية عالمية، وحرر 20 مليون برازيلي كانوا يرزحون تحت خط الفقر من هذه الفاقة. ونفذت البرازيل، تحت قيادة لولا دا سيلفا، أنجح برنامج على الصعيد العالمي في مكافحة الجوع ما استحق عليه ثناء دولياً. وأخيراً كوفئت البرازيل بمنح ريو دي جانيرو جائزة لا تقدر بثمن، هي استضافتها دورة الألعاب الأولومبية الصيفية في عام 2016، حيث تستضيف القارة الأميركية الجنوبية هذه الألعاب لأول مرة.

على الصعيد الدولي، تحول لولا دا سيلفا إلى ايقونة عالمية. وفي هذا المجال أقر الرئيس الأميركي باراك اوباما بأنه الزعيم الأكثر شعبية عبر العالم. لقد تحولت البرازيل إلى وسيط دولي يصغى اليه في النزاعات الدولية الاقتصادية والسياسية، ليس فقط على صعيد أميركا الجنوبية، حيث عملت البرازيل على حل النزاعات بين فنزويلا وكولومبيا والأكوادور، وإنما أيضاً كوسيط للتعاون ما بين أميركا الجنوبية وبقية العالم الثالث وبين الأخير والولايات المتحدة.

ولولا دا سيلفا هو عراب التقارب بين القارة الأميركية الجنوبية والعالم العربي، حيث استضافت البرازيل أول قمة عربية أميركية جنوبية عام 2005. كما كان قد تقدم مع القادة الأتراك، باقتراح وسط للنزاع الإيراني النووي مع الغرب، يقوم على تخصيب اليورانيوم الإيراني للأغراض السلمية في تركيا.

لقد أعلن لولا دا سيلفا أكثر من مرة أنه "رجل مفاوضات وليس رجل أيديولوجيا"، وبذلك كسب ثقة النقضاء، مثل الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش والزعيم الفنزويلي هوغو شافيز. وعلى صعيد منطقة الشرق الأوسط، وقفت البرازيل تحت قيادة لولا دا سيلفا، مواقف مؤيدة للشعب الفلسطيني في نزاعه مع إسرائيل وسعيه لاستعادة سيادته الوطنية على أرضه المحتلة عام 1967. وقبل أيام فاجأت البرازيل العالم باعترافها بالسلطة الفلسطينية، كدولة فلسطينية قائمة، مثيرة غضب إسرائيل ودهشة الولايات المتحدة.

لقد زار لولا دا سيلفا خلال دورتي رئاسته أكثر من ثمانين دولة في العالم، والبرازيل مرشحة اليوم لاحتلال مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، اذا ما أعيد تركيب هذا المجلس. واختير لولا دا سيلفا باعتباره رجل العام 2009 من قبل كبريات الصحف الأوروبية: مثل "البايس" و"لوموند"، ووصفته "الفايننشال تايمز" الأميركية باعتباره واحداً من خمسين رجلاً شكلوا ملامح العقد الأول من القرن الحالي، ومنحته مجلة "نيوزويك" الترتيب الثامن عشر ضمن الأشخاص الأكثر أهمية في العالم. ولا يتسع المجال هنا لتعداد الجوائز والميداليات التي حصل عليها من المنظمات الدولية والدول الأخرى، الأمر الذي لا بد أن يثير حسد قادة العالم الآخرين.

ليست معروفة بعد أجندة عمل لولا دا سيلفا بعد اعتزاله الرئاسة في الشهر المقبل، لكنه، مثله مثل الرئيس الجنوب إفريقي السابق، نيلسون مانديلا، قد حجز لنفسه مكانة دائمة بين زعماء العالم الأكثر حكمة وقابلية للعب دور الوسيط على المسرح العالمي. ولعلنا في العالم العربي نستفيد من دوره هذا، ونتعلم من سيرته الملحمية بعض الدروس.

وما من شك أن خليفته في رئاسة البرازيل ديلما روسيف، سوف تتابع مسيرته، رغم المخاوف التي تثيرها خلفيتها اليسارية، وماضيها الكفاحي، وهي التي شاركت في المقاومة المسلحة ضد الدكتاتورية العسكرية، وأمضت عدة سنوات من شبابها في السجون، مطلع السبعينيات. لكن كما هي حال تجربة لولا دا سيلفا في الحكم، سوف تتعلم ديلما روسيف كيف تمتص هذه المخاوف، وتنتهج سياسات أكثر واقعية وبراجماتية، كيف لا وقد تمرست في الحكم كوزيرة للطاقة، منذ عام 2003، ثم كرئيسة ديوان لرئيس الجمهورية بعد ذلك.

وباختصار، فإن تجربة البرازيل، تحت قيادة لولا دا سيلفا وديلما روسيف، تمثل مدرسة لليسار العربي ولقادة العالم الثالث حول طرائق الحكم والسياسة في ظروف العولمة والنظام الدولي وحيد القطب.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »متى ؟؟ (نادر كساسبه)

    الاثنين 13 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    والسؤال الذي يؤرقنا دوماً : متى سيأتي علينا رجل بحجم لولا دا سيلفا ليخلصنا من تبعات مشاكلنا .