معنى ان يُغادر هاتفك الخلوي دون وداع؟

تم نشره في الاثنين 13 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

الهاتف الخلوي جهاز واحد لكنه باسماء حركية عديدة وفقا لخصوصية كل مجتمع، فهو عندنا خلوي، وجوال في دول الخليج العربي وهي مشتقة من تجوال بالانجليزية (Roam)، بمعنى ان تذهب من مكان لآخر من دون غاية او اتجاه، وفي لبنان يسمى خليوي من خلية وفي اليمن يدعى سيار. اما في دول غير عربية فلا يختلف الوضع عموما؛ ففي اليابان يدعى(keltei)، أما في المانيا فهو (handy) ..الخ. ومن هنا يتجلى الملمح الاصعب لتعاملك مع فقِدك لاداة محلية /عولمية واحدة بخصائص عديدة، فهي تكنولوجية رقمية صورية وصوتية للتواصل في آن حتى غدا الخلوي الظل الثاني لشخصياتنا اليومية.

أن يغادرك خلويك من دون وداع خصوصا اذا كان من ذوات الاسعار المرتفعة وبالتقسيط فهذا يعني انه قد تم احتلالك؛ بالحيرة والفضول ومجموعة خسارات متواصلة منذ لحظة الفقد هذه حتى إشعار آخر ربما.

فالحيرة؛ أولا لأن منسوب هواجسك سيزداد حُكما، وأن سلالة من الاسئلة المقلقة لأنفاسك ستتوالد من بنات أفكارك؛ ما الذي دفع هاتفي فلذة ذاكرتي للرحيل، ترى أكان هذا الرحيل طوعا ونزوعا منه للتحرر من سطوة بعض أصابعي عليه منذ أن اقتنيته، أم أنه اضطر عنوة لذلك جراء قيام أحدهم بهجوم على جيبي في غفلة مني؛ أم أن مغادرته ستكون مؤقتة بعد أن يُصار إلى إرجاعة من قبِل الشرطة مثلا، والتي سأتقدم لها ببلاغ عن مغادرة خلوي من دون موافقة او توقع مسبق من قِبلي كوليّ أمر مؤقت له.

أما الفضول فمرده الى زيادة التوترات الداخلية الشكاكة بنوايا من حولك، انطلاقا من ذاكرتك التي أصبحت بدورها محل اتهام بالإهمال من قبِلك أنت، ليأخذ فضولك مداه في إطلاق تساؤلاته الأخرى؛ من صاحب المصلحة المادية او المعلوماتية أو حتى التجسسية علي كي يخطف هاتفي الخلوي بافتراض أنني شخصية مهمة وبالتالي مُتابعة من آخرين مثلا.

أما الخسارات المتواصلة فتكمن انه لم يعُد بوسعك التواصل السهل مع من تريد، ومتى ما أردت ذلك حتى ولو لم يكن الآخرون مستعدين أصلا لاستقبال اتصالاتك الليلية غالبا. ومع هذا تُصر على إجراء اتصالاتك تلك وهذه خسارة لا تقل أهمية عن مجهودك العقلي الكبيرالذي تبذله عادة عند كتابتك لاسم وهمي ومظلل للزوجة لحظة ظفرك باسم صديقة جديدة تمثل مشروعا مستقبليا للالتقاء بها وبغض النظر عن مبررات كل منكما لإعطاء الآخر رقم هاتفة الخاص عادة.

أما الخسارة المضافة للذي سبق فتكمن أنك اصبحت من دون خزين معلوماتي أسود أو أبيض لأسماء وصور نساء أو رجال أعمال مهمين في يومياتك، إذ كيف لك ان تتصل مباشرة، ومن دون المرور بصوت سكرتيرة ليس غنوج دائما، فتتواصل مع مسؤولك في العمل وان تضطر الى سماع صوته المتصنع بالجدية، وهو يخبرك بأهمية العمل الذي لا يسير إلا بحضورك الشخصي رافضا أعذارك الواهية في طلب الإذن بالتأخر أو حتى الغياب الكامل عن دوامك.

إن فقدان أي من خلوياتنا إنما يثير ضمنا اسئلة عميقة حول طبيعة علاقاتنا مع الرياضات الذهنية التي كنا نمارسها قبل ظهور الخلوي مثل حفظنا أسماء من نحب، أو تذكرنا الذاتي لمواعيد النوم والقوم والصلوات اعتمادا على ساعاتنا البيولوجية الداخلية، وربما لأنها الأصدق الأقل كلفة مادية والأكثر حميمية لنا. ومع هذا فإن ضعف شبكة اتصالاتك على المستويين الذاتي والموضوعي في آن قد تحقق، ما يجعلك معاقبا بفقدانك جزئيا لحريتك الفردية في بث بعض من النكات المشفرة خارج شبكة الخلوي، مثلما سيحرمك فقدانه من نعمة الضحك المستهجن من قِبل الاخرين وأنت الواثق من حقك بهذه السلوكيات الفردية بامتياز، بينما الفضوليون يبحثون عن مبرر لتلك القهقهة المخترقة لصمتهم المصطنع عادة، بينما انت تتابع سيرك إلى أمام. أخيرا لا أرانا الله وإياكم فقدا لظلنا الثاني أو لصديق كتوم مرتجى من قبلنا جميعا.

husain.mahadeen@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حقيقه (ليلى)

    الاثنين 13 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    هذه حقيقه واقعه ان الهاتف بات مخزنا للذكريات وصندوقا للاسرار وات يهددنا اذا تم اختفاءه لانه يحتوي على اسرار لا يجب الاحتفاظ بها
  • »فلذة ذاكرتي للرحيل، (هنية الضمور)

    الاثنين 13 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    ما الذي دفع هاتفي فلذة ذاكرتي للرحيل،