محمد برهومة

علاقة الأمن بتصدير النجاح

تم نشره في الخميس 9 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

كان الصوت الأقوى في منتدى "حوار المنامة" للأمن الإقليمي هذا العام ذاك القائل إن الأمن والاستقرار في منطقتنا لن يتحققا ما دام التفاؤل حيال المستقبل ليس سمة طاغية لدى الشباب العربي والأجيال الصاعدة في هذه المنطقة. وإذا اختفى الأمل بالسلام والعدالة والتنمية فإن البديل سيكون كارثيا، وستكون قوى التطرّف والتزمت كما قال جلالة الملك في المنتدى هي الرابح والمسيطر، وستنزلق المنطقة إلى موجة من الصراعات والحروب وعدم الاستقرار، الذي سيمتد حتى إلى خارج هذه المنطقة. هذا الصوت آزره وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، الذي قال في المنتدى نفسه إن "الأمن الحقيقي لا يوفره تشييد الأسوار أو الجدران، بل إنه يأتي من مصدر مختلف كليا". وكان الوزير الإماراتي يعلّق في قوله هذا على فوز قطر باستضافة الألعاب الأولمبية عام 2022. وقد أكد الوزير بأنه ليس بإمكاننا الفوز في حرب إيديولوجية إلاّ عبر تغيير العقليات، ومن أجل تغيير العقليات في المنطقة يتعيّن أنْ يتضح للناس وجود أسباب متعددة تدعوهم إلى التفكير الإيجابي والسلوك المعتدل المرتكز على التفاؤل بالمستقبل. وهذه المنهجية صارتْ جزءا أساسيا من مساعي الإمارات وقطر ومحاولتهما لإعادة صياغة الهوية الوطنية باستخدام الفن والعمارة والرياضة والأدب لتصحيح الصورة الظالمة والسيئة للعرب والمسلمين في الخارج، وإبراز الطريق نحو مجتمع حديث ضمن بوتقة الإسلام والعروبة.

إنها محاولة ما تزال في بدايتها لإيجاد توازن بين التحديث والتدين، وبلورة هوية جديدة تبتعد كل الابتعاد عن فكرة أنّ العلاقة التي تحكم التدين بالتحديث هي معادلة صِفْرية، بحيث لا يتسع الأمر للطرفين معاً. وما يزال العالم العربي يدفع فاتورة طويلة من الأعباء والإخفاقات لتأجيله إصلاحات أساسية في الفكر والسياسة والاجتماع، بعضها كان ينبغي أن يتم منذ قرون.

بلورة الهوية الجديدة تستدعي أنْ ينتج الفن والإعلام والكتاب المدرسي والجامعيّ لدينا رواية جديدة تكون بديلا لتاريخ طويل من الإحباطات والهزائم والانحدار الإقليمي، والتشدد وهشاشة الأمل والشغف بالحياة والإنجاز، الذي "حققته!!" حكومات فاسدة وأنظمة سلطوية، إلى جانب ثقافة اجتماعية ما تزال تكبّلها عوامل الارتهان للفشل وضعف عوامل نهوضها وإقلاعها الحضاري. يمكن للدراما التلفزيونية أنْ تزوّد الأجيال الصاعدة بالأدوات الفكرية والنفسية اللازمة للعيش في مجتمع عالمي مفتوح نحظى فيه بموطئ قدم مشرّف. تغيير الانطباعات عن المنطقة، مسؤولية حكومية أولا وفردية ثانياً، وتستلزم جرعات من الحرية والعدالة، والتصميم على إنتاج المزيد من قصص النجاح الفردية. وهذا لا يتحقق إذا لم يقتنع الناس من صميم قلوبهم أنّ بإمكانهم "إحداثَ فارق ٍ ما" في حياتهم الخاصة أو محيطهم العام.

فعلاً، الأمن الحقيقي لا يأتي بالتسلح والطائرات، وإلا لكان الاحتلال الإسرائيلي هو الأكثر أمانا في المنطقة!!. هذا الكلام ربما لا يبدو شعبياً ولا يحظى بالرواج، والتحدي أنْ يُكتبَ له الانتشار، والارتكاز في هذا الانتشار يقوم على أن التواصل مع العالم والانفتاح عليه يتم عبر تقديم النجاحات المحلية القابلة للتصدير في السياسة أو الاقتصاد او الفن أو التعليم. فأخطر الأسس لبلورة هوية جديدة لا تقيم اصطداما بين الإيمان والحداثة هو إتاحة المجال للحديث عن نجاحات محلية في دول منطقتنا، من شأنها إيجاد شكل من التكافؤ الثقافي مع الغرب، ومِن ثمّ بلورة مفهوم جديد للذات وتنمية عناصر الثقة لديها، وهو ما من شأنه ( عبر فعل إرادي إيجابي عبقري) تفكيك العلاقة التاريخية مع الغرب القائمة على معادلة القوي أو المستعمر مع الضعيف أو الضحية.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »قضية الأمن (ناصر أبو عين)

    الخميس 9 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    إن قضية الأمن في حد ذاتها إحدى أهم المشاريع التي ينبغي أن تناضل الحكومات والأفراد في سبيل تحقيقها على أعلى مستويتها المطلوبة، فتحقيق الأمن مطلب شرعي ووطني وقومي في آن واحد، ولا خير في بلد أو شعب لا يعرف معنى الأمن، والسلاح كما أشار الأستاذ محمد برهومة في مقاله ليس إلا صورة فارغة للأمن، وليس الأمن ذاته.