علاء الدين أبو زينة

شهوة الحكم والسقطة التراجيدية..!

تم نشره في الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

في قصيدة "الفردوس المفقود"، ملحمة الشاعر الإنجليزي الكبير جون ميلتون في القرن السابع عشر، يحكي الكتاب الأول قصة "إبليس" الذي عوقب بطرده من جنة عدن إلى جهنم بعد ثورة فاشلة قام بها لمحاولة السيطرة على السماء. وقد عبر إبليس، المعتد بشبابه وجماله عن قدره التراجيدي حين قال عبارته المشهورة "أن تحكم في جهنم خير من أن تخدم في الفردوس".

وعلى الرغم من التأويلات التي تناولت إبليس ميلتون بإيجابية، باعتباره ثائراً، فإن سلوكه يصنف في الأدبيات الملحمية في باب "السقطة التراجيدية" التي تودي بصاحبها إلى الكارثة. ومن ذلك سقطة "أوديب" و"فاوست" اللذين أودى بهما الغرور وحب معرفة ما لا يلزم.

فكرة الحكم في جهنم هذه تجعل المرء يتساءل عن هوس حكام العالم الثالث بالسلطة. ولن أتحدث عن الأعباء التي ترتبها على الحكام مسؤولياتهم عن إدارة أقدار الناس بحيث لا يستطيعون النوم، لأنه يبدو أن ما يؤرقهم أول ما يكون هو همّ الاحتفاظ بالسلطة، ونقطة.

لكنني أتساءل بالذات عن المتعة التي يمكن أن يجنيها المرء من الحكم في دول أشبه بجهنم، ثم في العمل على إبقائه جهنم كما هي، مليئة بأشكال العذاب والترويع ولا شجر فيها غير الزقوم. هل يكون ذلك لأن تحويل جهنم إلى جنة ربما يغوي الناس الناعمين فيها بمحاولة المنافسة على الحكم؟ أم لأن أقصى مطمح للناس المنشغلين بعذاباتهم لا يمكن أن يتعدى مجرد الاستراحة من العذاب للحظة واحدة لالتقاط الأنفاس؟!

المشكلة الأخرى، هي أن الحكام في العالم الثالث لا يتمتعون بميزة إبليس في ملحمة ميلتون. فهم لا يحكمون في جهنم بدلا من أن يخدموا في الفردوس. ولا يستطيع أحد أن يزعم بأن واقع الذل والتبعية للجهات التي عينت أنفسها آلهة أرضية على العالم حتى تخربه وتسرقه، تندرج في باب السيادة والحرية. وأن يخدم المرء مستبداً يهينه ويحدد له أقداره وأخلاقه وأعماله تجاه مواطنيه لا يمكن أن يعني أنه يخدم في الجنة. فأين فكرة الكبرياء والاعتداد التي كانت تودي تقليدياً بالبطل التراجيدي وتسيء عاقبته؟!

على العموم، يبدو أن الحاكمين يبتكرون سقطة تراجيدية من نوع جديد، ويجب أن تضاف إلى عناصر الملحمة التراجيدية. فالبطل التراجيدي تسقطه شهوة الحكم، لمجرد شهوة الحكم، سواء كان ذلك في جهنم أو أي مكان. ولا أتصور أن هناك مكاناً واحداً في أي جزء محكوم من العالم لا يشكل جهنم كاملة على الأرض، تضج بصرخات المعذبين. فما الذي يغري أحدا بالخدمة والحكم في جهنم؟!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حكامنا (زهير عناب)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    رائع وأبدعت يا صديقي. كما تكونوا يولى عليكم. لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ولا تعليق أكثر من ذلك.
  • »رائع (مأمون كراسنه)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    مقال جد رائع و كاتب يعرف كيف يصطفي ثم يصف الكلم، اختلف معك باخر فقرات المقال حيث ليست كل المعمورة جهنم، لا زال هناك جميل في بعض الأمكنة لا سيما حيث تجد الأمان و العدل نوعا ما، و دائماً بهذه الارض ما يستحق الحياة
  • »يا ريتنا بجهنم (ليليا)

    الأحد 5 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    ابليس ما فوت غيره على جهنم وحكموها الا لانهم متله يعني مش وراثة