محمد برهومة

"نعم.. لقدْ عِشْتُ"!

تم نشره في السبت 4 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

" نعم لقد عِشْتُ"... بوحٌ نادرٌ يتجرأ قليلون على اقترافه والاعتراف به بينهم وبين أنفسهم وفي حواراتهم الداخلية مع ذواتهم، أو ربما يعلنون ذلك لمن حولهم وللآخرين.

وهذا البوح الموازي للاعتراف بالشبع من الحياة ينبغي أنْ يثير شهية التساؤلات عن أسبابه وظروفه وموجباته وكل ما من شأنه إنتاج هكذا شعور يتمنى جميعنا أنْ يمسك بتلابيبه ويحوز أسراره.

والحقيقة أنّ العقل والشعور هما اللذان يشبعان قبل أنْ يشبع الجسد، وما لم يكنْ الإشباع ناجماً عن قناعة عقلية وبنية ذهنية تبدد معوقات الإشباع وموانعه فسيبقى الجوع سرمديا وغير قابلٍ للتفكيك أو التحلل.

منبع "نعم .. لقد عِشْتُ" هو الرضا عن الذات والتصالح معها، وكفّ الأذى، ويقابله الإحساس الناقص بالذات، الذي يحفّز الجوعى إلى معالجته بتملك الأشياء، معتقدين أن باب السعادة مفتاحه المزيد من التملك أو الانتقاص من ذوات الآخرين وعدم الفرح بهم وبنجاحاتهم.

لن يأتي الإشباع الذاتي ولن يصافحك ذاك الشعور الفاتن المختزل في عبارة "نعم لقدْ عِشتُ" ما دمتَ، كما يقول إيكهارت تول، تعاني وعياً طفولياً أو وعياً مُراهقاً يدفعك أنْ ترى السعادة في التملك إلى مرض أشد خطورة وهو "التطلّب" المستمر الذي ليس له هدف سوى أنه حالة من السلبية والضجر والامتعاض، (ولا يعبّر بالتأكيد عن ذاك الشغف الصحيّ بالحياة وطقوسها الغنية). وعند هذه الحالة المَرضية لا يعود شخص أو مكان ما أو ايّ شغف أو حالة عشق أو شكل من الطعام والشراب ... يحقق لك أيّ إشباع أو رضا، والنتيجة بالطبع جوعٌ مكثّفٌ ونَهَمٌ مرَضيّ لا يرتوي، وبحث عن رضا وسعادة لا يأتيان حقيقة مهما كان الشكل باذخاً ويدعو للغبطة أو الحسد.

نصيحة العارفين بالنفس والعالمين بأسرار الرضا والإشباع والسعادة تقول: من المهم أنْ لا تساوي بين هويتك وجسدك، ومن المهم أنْ لا تقيم علاقة تماهٍ بين ذاتك وبين ما تملك. قيمتك يجب أنْ لا تُحدد قوة َ شبعها ورضاها كميةُ ما تملك. المهم أيضاً أنّ هذا القول ليس فيه دعوة للسلبية أو القَدَرية أو قمع الرغبة الإنسانية الأبدية في التملك والطموح والتفوق والرغبة الدفينة والدائمة في التجدد وفي أنْ نكون ـ ونظل ـ أقوياء او نبقى محتفظين بالجمال أو الوسامة والنظارة والإشراق. ليس هذا هو المقصود بكل الأحوال، بل المقصود القول إن احتمالات أنْ نفقد ما نملك من مال أو جاه أو جمال أو صحة .. أمر وارد وهو من طبيعة هذه الحياة. ولذا من المهم برمجة الذات على عدم إيجاد علاقة تطابق بين الأنا وبين ممتلكاتك أو بين الأنا وتحولات الجسد الإجبارية نتيجة السن أو المرض أو خلافه. من المهم أنْ لا تنظر إلى سعادة الآخرين على أنها انتقاص من حصتك في السعادة والهناءة!! من المهم أنْ لا تقيم علاقة ضِدية بين أن تتألم وتتعب وبين أن يكون ذلك بالنسبة إليك مساويا للتعاسة. فمن غير المتوقع أنْ يتوقف الألم أو الإحباط أو غيرهما من الحياة أبدا، إنها مكونات أساسية في هذه الدنيا، والتحدي الأهم أنْ لا نجعلها المكوّن الوحيد، بل أنْ نخلطها بمكونات أخرى، تمتص من الألم دسمه وتُفقدُ الإحباط غلواءه، وتنزِع عنه أنيابه.

"نعم لقد عِشتُ" ... ليستْ وصفة ً لحياة بلا مشاكل.

التعليق