علاء الدين أبو زينة

أشياء عن الحُبِّ، والشِّتاء..!

تم نشره في السبت 4 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً


ريحُ بلا مطر، تعصف مجنونة، وتُلمح إلى شتاء. وللشتاء شجون. مع فيروزياته المطَريَّة الحالمة، يستحضر بَردُهُ أجواء ميلودراما تلفزيونية فاتنة قديمة من أواخر السبعينيات: "الحُبُّ والشِّتاء". ولم أعد أتذكر الأحداث، لكن منى واصف وأديب قدورة، والمخرج الأردني المبدع صلاح أبو هنود، استطاعوا أن يجعلونا ننشدّ وننكمش ونحن نشاهد، ونحسّ بالبرد يسري حقيقياً في الأطراف، بينما تعضُّنا ريح شرقية مدوِّمة مقيمة، تعصف بالأزقة والعابرين المتوحدين المعاندين الريح في الشوارع العارية المستسلمة للخواء..

كان بردُ الفقراء البائسين، المقموعين والمطاردين في الحكاية، "يقُصُّ المسمار"، كما تذكر أغنية البداية، ويُجمِّد في العَين الدُّموع.. وعلى عكس العنوان الشاعري، كان ثمة نضالٌ بين الحُبِّ وبين الشتاء القابض على أرواح المتعَبين. أما السيّد، فكان الحكمة المسنودة بالتجربة: "إذا دخل الفقر من الباب، هرب الحبُّ من الشباك". ويبدو أن الحُبَّ وضع ذيل ثوبه بين أسنانه، وعلق منذئذ في هروب لا ينتهي، مطروداً بأنياب الفقر الجادِّ في إثره، فلا يترك له متّسعاً ليتوقف أو يستدير..!

والأصل في الشتاء أنه فصل الحُبِّ الذي يمنح الرفقة جوهر المعنى. وكان شتاؤنا صديق الفقراء في قرى أهلنا البسيطة الوادعة. كان يأتي أهلنا المنتظرين على شوق بمطر حقيقي ومبكر، ينسلُّ في عروق الأرض ويوقظ الغلال النائمة، ويعِدُ بوفرة البيادر واكتناز الخوابي. ولمراوغة البرد والعتمة الشتائية، كانت الأشجار المتعاطفة -بنات الشتاء- يتواطأن مع الناس بأمر الشتاء، فيعطين من أكتافهن حطباً للموقدة، ومن دموعهن زيتاً للسراج. لكنه ليس للإنسان طبع وفاء الأشجار. ولذلك أغوتنا ندّاهة الثراء، فتبعناها على عمى وبغير سؤال عن الوجهة. ولأجلها، قصفنا الأشجار وغرسنا أبراج الإسمنت الميتة التي لا تثمر.. وكسرنا المحاريث، ولم نصنع من بقاياها مداخن ولا مصانع..

على السطح، طلّقنا "التخلف" وتزوَّجنا المدنيَّة. وانتظرنا أن تدللنا المعشوقة المتحضرة بالعيش المترف وهدأة البال. لكن البساطة فقط هي التي انسحبت وتركتنا لتعَقُّد بلا رفاه، ولنكد العيش مع زوجة متعالية مغرمة بالمعاطف، كثيرة المطالب وقاسية القلب. وسرعان ما غافلتنا القسمة التي طرأت مع الاندفاعة السريعة المدوخة وانسربت تحت جنح السياسات المعتمة، فانهارت بنا الطوابق الوسطى من بناء أقيم على عجل بغير قواعد ولا عماد، وسقطنا لنستقر على فقر يظن بنفسه الغنى. وأصبح المعظم تحت، والقلة فوق، ولا أحد في المنتصف..

ولم يعد الشتاء يصادق أحداً، ولا هو يَصدُق موعده مع الفقراء الجدد الكثيرين المنثورين في غابات الإسمنت والإسفلت، بلا وعد بغلال ولا خوابي.. وصار الشتاء، فقط، عربة للكآبة والظلام المبكر والبرد الناشف. وصحبته الفواتير الثقيلة التي لا يعين الناس على حملها كتف شجرة ولا دمع. وشرد الدفء من البيوت الحجرية الباردة التي تتزاحم في الحيّز الضيق، لتختنق فحسب، وتبقى متجمدة الأطراف ونهباً للعزلة. وفي زمن سريع في اندفاعته، تضاعفت علينا كثيراً كلفة الدفء والحبّ معاً.

لم يعد الشتاء الجديد مرادفاً للركون إلى بيات شتوي عاطفي، وإنما مفتتحاً لتعب التحسب من كلفة دفء صار صناعياً تماماً، وغالياً تماماً، يبيعونه لنا بفواتير وأشكال. وحلقت كلفة الدفء الذي أصبح محتكراً ومصادراً، بمتوالية تحترف الابتزاز. ولا نملك سوى الدفع لأننا بلا دفاع ولا حماية تحت ضربات هجوم قادم بمنطق الاحتلال نفسه: "المفاجأة، وخلق الوقائع على الأرض".

والجِرارُ تغيَّرت أيضاً.. كانت من الفَخار الحنون على أكتاف البنات العائدات من النبع، أو منطوية على كنزها من الزيت المخبوء.. لكنها لم تعُد تخَلِّقُها يَدُ خزَّاف حاذق، وإنما تقدُّها نارٌ مسعورة، من معدن قاس معاد وخَطِر، محشوّ بالغاز القابل للانفجار. جرارٌ ميتة بلا زوايا، وبلا الخطوط التي تشبه جسد امرأة مقوَّسة الأكتاف، تسند راحتيها بغنج على خصر ناحل.. جرارٌ ثقيلة تنهش لحم الأكتاف. وحشيةٌ في الشتاء، ندخلها بيوتنا لتخدعنا بدفءٍ سريع الطيران، وتخرج بخفة لصٍّ بما دفأنا به جيوبنا قليلاً وجنيناه على تعب.

ثمة ريح شتاء معادية في الخارج، تخربش في الفناء بالأكياس وورق الجرائد وترسل ارتجافة معادية، بلا مطر ولا شاعرية.. وتترك البيوت المتشوفة للحب والدفء والشتاء، عاريةً عمياء.. تجوس في عرائها الظلال.. مجنونةً تدبُّ في عرائها، وتُعوِلُ الظلال..!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال رائع (م.رواشدة)

    السبت 4 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    هذا مقال رائع ,ومستواة الفني عال جدا.ويبدو لي ان الكاتب هو في الاساس شاعر..ادهشتني قدرتة على التقاط التفاصيل
  • »لا فض فوك (باسم شاهين)

    السبت 4 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    أعدتنا إلى الأيام الخوالي يا علاء... عندما كان الدفء... دفء المشاعر، يهزم برد الشتاء...
    لك تحية من القلب
  • »الشتاء (زهير عناب)

    السبت 4 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    رائع يا علاء. أنت شاعري. أعدت إلينا الذكريات أيام الطفوله... أيام كانت تلتف العائله حول منقل الفحم للدفئ ولشوي الكستناء. أجدت وأبدعت ياأخي علاء.
  • »وضعنا حبنا على الرفوف ، عسى ان تتحسن الأمور ، ونشحنه ثانية (د. عبدالله عقروق : فلوريدا)

    السبت 4 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    لقد سحرتني يا اخي علاء بهذا السرد الابداعي ذو الشجون الدافئة ، والوصف الأخاذ ، والتشابيه المخملية كصوت فيروز وهي تغني اغاني الفصول كلها .لقد هيجت اشجاني ، وذكرتني بحكايات جدتي / وخبز الطابون وحبات الزيتون والبندورة ، وراس بصل عندما كنا نجلس القرفصاء ونرتشف الشاي المعتق وكنا نصف احمراره كعرف الديك .وثم كنا نتحلى بحبات القطين ، والزبيب وبعض المكسرات .حول مدفأة صغيرة ،نلف اجسادنا بحرامات من صوف .ما اقسى على الأنسان أن يعيش وراء ذكرياته عندما يكون حاضره مؤلما ، وغده أكثر الما ..نحن لا نزال نحب ولكننا وضعناه على الرف في مثل هذه الظروف الحالكة على أمل أن تتعدل الأمور ، ونشحنه ثانية.