قوانين التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات المؤقتة أمام مجلس النواب

تم نشره في الجمعة 3 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

للمرة الخامسة على الاقل تتداول وزارة التعليم العالي ومجالس أمناء الجامعات السلطة على الجامعات. حيث طال انتظار مجلس النواب السادس عشر بعد ان شهد التعليم العالي قوانين مؤقتة وقرارات وتصريحات مثيرة متناقضة. لقد أنارت توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني لرؤساء الجامعات الرسمية في لقائه معهم في رمضان عام 2008 الطريق للبدء في تقييم ملف التعليم العالي والولوج به للمستقبل، حيث أصدر مجلس الامة قانونين دائمين للتعليم العالي والبحث العلمي والجامعات في صيف عام 2009 قربا التعليم العالي مما يدور في العالم المتحضر، وبعد مناقشات مستفيضة ركزا على اللامركزية واستقلالية الجامعات واعطاء دور رئيسي لمجالس امناء الجامعات، والغى المادة 34 من مشروع القانون المقترح من وزارة التعليم العالي بخصوص اقالة رؤساء الجامعات. ويبدو ان القانونين لم يعالجا ما يخص الجانب المالي من صندوق البحث العلمي وعضوية مديرية التربية والتعليم والثقافة العسكرية في مجلس التعليم العالي، وكان يمكن معالجة ذلك مباشرة من دون حاجة الى التغييرات والتفصيلات الجذرية الموجودة في القوانين المؤقتة. فوجئت أوساط التعليم العالي وخاصة مجالس الامناء بنية الحكومة اصدار قوانين مؤقتة حتى قبل ان تجتمع بعض هذه المجالس التي ترأسها رؤساء وزارات سابقين، ما أربكها وترك اثرا سلبيا على آلية عملها وحتى على انجازها. وجاءت بعد أشهر معدودة القوانين المؤقتة بعد حملة اعلامية مركزة على واقع التعليم العالي ومجالس الامناء التي لم تعط الفرصة للعمل وكانت النتيجة تغيير قوانين التعليم العالي والجامعات وعضوية مجلس التعليم العالي ومجالس الامناء 3 مرات خلال عام لينتهي المشهد بتعيين 3 رؤساء جامعات جدد ورؤساء جامعات سابقين رؤساء لمجالس الامناء، بحيث اصبح لكل جامعة ما يشبه الرئيسين.

تبع ذلك حالة من الهدوء الغريب وكأن المشكلة انتهت بتغيير رؤساء الجامعات الثلاث. حسب قانون الجامعات يكون لكل جامعة رئيس متفرغ لادارتها يعين لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، الا ان الجامعة الاردنية على سبيل المثال توالى على رئاستها 5 رؤساء خلال فترة رئاسية واحدة تقريبا مناقضا لمبدأ الاستقرار في الجامعات.

ان اهم سمات القوانين المؤقتة هي مركزية القرار، فالتنسيب بتعيين رئيس الجامعة الرسمية اصبح لمجلس التعليم العالي بدلا من مجلس الامناء وهذا يعني تلقائيا وعمليا تغيير نواب الرئيس والعمداء ورؤساء الاقسام والوحدات والمراكز الجامعية عند تغيير الرئيس، معبرا عن تدخل كبير في استقلالية الجامعات ومخالفا لتقاليد التعليم العالي والبحث العلمي. والغريب ان اعضاء مجلس التعليم العالي الذين نسبوا بتعيين رئيس الجامعة حسب القوانين المؤقتة يمكن ان يكونوا نوابا لهذا الرئيس او اعضاء هيئة تدريس في نفس الجامعة. وزاد على ذلك بأن بعض القانونيين قد شككوا في صحة تعيين رؤساء الجامعات، على افتراض ان اعضاء هيئة التدريس في الجامعات الرسمية موظفون عامون وهم اعضاء في مجلس التعليم العالي، وعضو مجلس التعليم العالي يجب ان لا يكون موظفا عاما حسب القانون. اما المصادقة على موازنة الجامعات والحسابات الختامية والمحاسب القانوني وايقاف القبول في مؤسسات التعليم العالي فأصبح من صلاحيات مجلس التعليم العالي، مضعفة دور مجالس الامناء وحتى هيئة الاعتماد، ومضيعة لوقت الجامعات. أما تفاصيل واجبات القيادات الاكاديمية مثل العمداء ورؤساء الاقسام وغيرهم والتي وردت بالقوانين المؤقتة فهي لا تصلح اكثر من مشاريع انظمة يمكن تعديلها حسب المعطيات المستقبلية، ولم تعالج بصورة جذرية شغور منصب رئيس الجامعة. أما حق اعضاء هيئة التدريس بالجمع بين راتبهم في الجامعة وراتبهم التقاعدي المدني حسب القوانين المؤقتة فيبدوا ايجابيا ولكنه سيجعل جميع الموظفين في الوطن يطالبون بهذه الميزة اينما عملوا. أما ضرورة اصدار هذه القوانين المؤقتة بعد اشهر معدودة من اصدار القوانين الدائمة فلاقت الكثير من الدهشة واربكت الية عمل الجامعات خاصة مجالس امنائها الذين فوجئوا بالعمل على اصدار هذه القوانين المؤقتة ولم يمض على تعيينهم أسابيع معدودة.

أما قرارات مجلس التعليم العالي فحدث ولا حرج. وعلى سبيل المثال لا الحصر فهناك قرار يعتبر الطالب الذي معدله 59 في التوجيهي أقل كفاءة من الذي معدله 60 ولا يستطيع ان يدرس في جامعات الاردن. ليتبع بقرار آخر متناقض مع سابقه يسمح لمن معدله مقبول في البكالوريوس بدراسة الماجستير معللا ذلك بان من معدله 68 (جيد) ليس أكفأ من الذي معدله 67 (مقبول). النتيجة حسب التوقعات نزوح آلاف الطلبة خارج الاردن سنويا بتكلفة مالية اجتماعية واقتصادية عالية على الوطن بالاضافة الى تأثير ذلك على عدد الطلبة الوافدين. معظم الجامعات في العالم لا تمنع احدا من الدراسة بها بسبب معدله في الثانوية او حتى البكالوريوس وحده، لان لها شروطا ومحددات غير هذا المعدل. لقد ألغى مجلس التعليم العالي شرط نشر البحث العلمي لطلبة الدكتوراه ليزيد من اضعاف البحث العلمي في الجامعات. أن يمجد كاتب او اثنان كل ما يصدر عن التعليم العالي وخاصة بعد ان تكشفت الحقائق لن يحل المشكلة، كما ان النقد غير البناء للتعليم العالي من أي كان له نفس الدلالة.

المطلوب جهد وطني متكامل يعيد النظر بملفات التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات والاعتماد والجودة والتعليم التقني بطريقة مؤسسية. فموضوع قروض الطلبة تمت معالجته على مدى عقود، والمطروح الآن معمول به في كثير من دول العالم والجميع مع أي أفكار خلاقة ولو على طريقة (انسخ والصق)، المهم ان نساعد الطلبة على دفع الرسوم الجامعية. أما التعليم التقني وتشجيع كليات المجتمع فتمت تجربته في الوطن وبنضوج ولم ينجح لان الحوافز المعنوية والمادية لم تراع، بالاضافة الى بيئة التدريس والتدريب والجوانب الاجتماعية. تطبيق معايير برامج الجودة والاعتماد والتنافسية على الجامعات وشروط اخرى يجب ان تكون هي المحددة للقبول في الجامعات وليس معدلات التوجيهي او حتى البكالوريوس وحدها. صفة الاستعجال للقوانين المؤقتة لم يثبت جدواها ولا بد من اعادة دراسة القوانين الدائمة التي اقرها مجلس الامة العام الماضي لتعالج كل ما ذكر آنفا ولتدخل المزيد من الاصلاح المؤسسي والاستقلالية واللامركزية المالية والادارية والاكاديمية، واعادة التنسيب بتعيين رؤساء الجامعات لمجالس الامناء من خلال لجان تقييمية ممنهجة للتنسيب بهم وبالعمداء، اذا أردنا ان نواكب ما يدور بالعالم المتقدم. مصير وزارة التعليم العالي لن يختلف عن مصير مثيلاتها في الدول المتقدمة التي ليس بها وزارة للتعليم العالي ولكن بها تعليم عال وبحث علمي متميز قل نظيره. أما قوانين التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات المؤقتة فمبررات ردها أكثر من مبررات قبولها. عناوين التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات واضحة وهي لا مركزية، شفافية، مؤسسية، استقلالية، استقرار وتنافسية مبنية على معايير الاعتماد والجودة والبحث العلمي. وهذه العناوين منسجمة مع توجيهات قيادتنا الهاشمية للاصلاح وأي خطة تحمل هذه العناوين يجب دعمها.

*أستاذ طب الأطفال/كليةالطب- الجامعة الأردنية

التعليق