"لولا دا سيلفا" ... أسطورة البرازيل الحية!

تم نشره في الجمعة 3 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

في الأول من كانون الثاني المقبل يُخلي "لويس أناسيو لولا دا سيلفا" مقعده كرئيس لجمهورية البرازيل، لصالح "ديلما روسيف" التي اختارها لتخوض معركة الانتخابات الرئاسية باسم حزبه، حزب العمال. وقد فازت روسيف قبل أسابيع قليلة، لتكون أول امرأة ترأس جمهورية البرازيل، كبرى بلدان أميركا الجنوبية، بعد أن تعاقب عليها خمسة وثلاثون رئيساً، منذ استقلالها عام 1889.
ويعد صعود "لولا دا سيلفا" إلى قمة السلطة في البرازيل قصة استثنائية بحد ذاتها، والأشد إثارة هو أنه أمضى فترتي رئاسة، مدتهما ثماني سنوات، حافلة بالإنجازات لبلده الذي يربو عدد سكانه على مائتي مليون نسمة.
فكيف تسنى لهذا الرجل المنحدر من قاع الطبقة العاملة (بالمعنى الحرفي للكلمة) والذي لم يتلق تعليماً نظامياً لائقاً، (حيث ترك المدرسة الابتدائية مبكراً) الصعود إلى قمة، لا من خلال انقلاب عسكري أو ثورة شعبية عنيفة، وإنما من خلال انتخابات تنافسية مباشرة؟! ولا يقل أهمية عن ذلك استمرار حزب "لولا دا سيلفا" (حزب العمال اليساري) في الحكم لمدة تصل إلى 12 سنة متواصلة، فكيف تأتى له أن يقنع الناخب البرازيلي ببرنامجه الاقتصادي/ الاجتماعي للمرة الثالثة على التوالي، في زمن صعود العولمة واقتصادات السوق ونبذ الاشتراكية والعدالة الاجتماعية من قاموس العصر.
لنبدأ أولاً بشخصية "لولا دا سيلفا" الذي أدرجته مجلة "تايم" الأميركية، مطلع هذا العام، ضمن قائمة الشخصيات الأكثر تأثيراً في العالم.
ولد "لولا دا سيلفا" يوم 6 تشرين الأول1945، في أسرة فقيرة تنتمي إلى منطقة فقيرة، وعاش أيضاً طفولة غير مستقرة، بعد رحيل الأب عن أسرته ليتزوج من امرأة أخرى، وتربي مع ستة أشقاء وشقيقات على يد والدته، التي رحلت بهم إلى ساوبولو ليقطنوا جميعاً في غرفة واحدة، في منطقة غير ملائمة أبداً للعيش اللائق. غادر المدرسة مضطراً وهو في الصف الرابع الابتدائي، لكي يعمل ويساعد في إعالة عائلته، وهكذا فقد تعلم القراءة عندما بلغ سن العاشرة، ولم يحظ بفرصة أخرى لمواصلة تعليمه الأساسي. تنقل "لولا" في طفولته بين عدة مهن تُعتبر في العرف الاجتماعي "وضيعة": من ماسح أحذية إلى صبي في محطة محروقات، ثم إلى بائع خضراوات، ليعمل لاحقاً عامل مخرطة وميكانيكي سيارات. وفي سن الثانية عشرة، التحق لمدة ثلاث سنوات بدورة صناعية في المعادن ما يعد أفضل تعليم نظامي تحصّل عليه. وفي سن التاسعة عشرة، أثناء عمله في مصنع لقطع السيارات، فَقَدَ خنصر يده اليسرى، وتنقل في عدة عيادات ومستشفيات قبل أن يتلقى العلاج، الأمر الذي أثر في نفسه كثيراً ودفعه في سن مبكر نحو العمل النقابي.
"أكاديمية الحياة" التي تخرج منها "لولا دا سيلفا" عبرت به نحو الوصول إلى مواقع قيادية في نقابة عمال الحديد لجنوب ساوباولو، إلى أن أصبح رئيساً لها عام 1978، وهي النقابة التي كانت تضم، في حينها، مائة ألف عامل صناعي يتحكمون بأهم منطقة لصناعة السيارات في البرازيل، لينتقل بعدها، في شباط  1980، إلى تأسيس حزب العمال صاحب الأفكار التقدمية، والذي خاض سلسلة من المعارك السياسية إلى أن أصبح، بعد عشرين عاماً، الحزب الذي يحكم البرازيل وما يزال.
لم يكن صعود "لولا" صعوداً سلساً، فخاض مع حزبه غمار النضال الصعب ضد الدكتاتورية العسكرية، وفي هذه الأثناء تحول "لولا" من زعيم نقابي إلى زعيم سياسي وقائد لحزب كبير يساري الاتجاه.
انضم "لولا"، عام 1983، إلى الحملة الشعبية للمطالبة بالانتخابات المباشرة لرئيس الجمهورية، حيت كان دستور البرازيل، الموضوع عام 1967، ينص على انتخاب الرئيس من البرلمان البرازيلي ذي الغرفتين وليس من الشعب مباشرة، وهو الأمر الذي كان يسمح لضباط الجيش المتقاعدين بالترشح للانتخابات الرئاسية، بدعم من الطغمة العسكرية الحاكمة، وقد نجحت هذه الحملة أخيراً في تعديل الدستور، لتكون انتخابات البرازيل الرئاسية عام 1989 هي أول انتخابات رئاسية مباشرة.
في هذه الأثناء فاز "لولا دا سيلفا" بعضوية الكونغرس البرازيلي وذلك في عام 1986، وبصفته هذه انتقل ليرشح نفسه، عام 1989، لمنصب رئاسة الجمهورية، لكنه فشل، وعاد ثانية ليرشح نفسه للرئاسة في انتخابات عام 1998، وفشل أيضاً. وحين أعاد الكرّة للمرة الثالثة في تشرين الأول 2002 أُنتخب رئيساً للبرازيل، بأصوات 51 مليون ناخب برازيلي، أو 62 % من أصوات المقترعين. 

hani.hourani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حنكة التصرف (قصي)

    الجمعة 3 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    كاتبنا الكبير والقدير المعلومات التي تكتبها تشير الى فكر ووعي عميق ومميز. حبذا لو تستخدم هذه المقدرات في معالجة مشكله بسيطه بالنسبه لك لكن تخرجك من مأزق قانوني لاتحسد عليه. المساله لاتتعدى اعطاء الحقوق لاصحابها للمحافطه على تاريخ مشرف
  • »مقال رائع (عمار علي القطامين)

    الجمعة 3 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    مقال رائع يحمل الكثير من المعاني. نشكرك عليه.