الوضعية الخاصة للأردن مع الاتحاد الأوروبي: هل هي امتياز أم التزام؟

تم نشره في الثلاثاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

 

نشأت فكرة الوضعية الخاصة (Special Status) كجزء من سياسة الجوار الأوروبية والتي تم وضعها عام 2004 كمحاولة أوروبية لبناء علاقات متميزة مع جيرانها إلى الشرق والجنوب، وتجنب ظهور انفصال جديد بين أوروبا الأوسع وجيرانها، من دون إدخالهم بالضرورة في النادي الأوروبي، وذلك عن طريق تعزيز الحوار السياسي والمساعدة في رفاه واستقرار وأمن الجميع، عن طريق دعم التنمية وتعزيز الحاكمية وحقوق الإنسان. وعندما يقدم الاتحاد الأوروبي على سياسة كهذه لا يقوم بذلك خدمة إنسانية لدول الجوار، وإنما لقناعة راسخة بأن أمن أوروبا يعتمد على أمن الجوار كذلك، خاصة في ظل الهجرة الشرعية وغير الشرعية، وانتشار الإرهاب، والحاجة الماسة لأسواق نامية في الجوار للمساعدة في استمرار ازدهار أوروبا. وما من شك بأن ذلك قد يقود إلى ازدهار دول الجوار كذلك، وهذا ما يجسد فعلا مبدأ الازدهار المشترك Common Prosperity والأمن غير المجزوء Indivisible Security اللذين يشكلان نقطتي الارتكاز في مفهوم الشراكة وسياسة الجوار الأوروبية.

إن سياسة الجوار الأوروبية هي في الأساس إطار للتعاون الثنائي بين الاتحاد الأوروبي وكل دولة من دول الجوار على حدة. ولذا فإن رد الفعل الأولي لدول الشراكة المتوسطية العربية اتسم بالتحفظ الشديد، حيث اعتبرت هذه الدول أن هذه السياسة الجديدة هي بمثابة دفن لعملية برشلونة التي بدأت عام 1995 والتي هي في جوهرها إطار إقليمي للتعاون.

إلا أن هذه المخاوف تبددت جزئيا اثر وضع ثلاث مبادرات إقليمية ومتعددة الأطراف، ما يهمنا منها في المنطقة هي مبادرة الاتحاد من أجل المتوسطUnion for the Mediterranean التي أطلقت في مؤتمر قمة باريس في شهر تموز عام 2008.

والسؤال الذي يطرح الآن هل "الوضعية الخاصة" هي جائزة ترضية لدول تنسجم سياستها مع السياسة الأوروبية، أم أنها مجموعة من الالتزامات والاشتراطات الجديدة لاستمرار الدعم السياسي والاقتصادي لدول الجوار؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد من التذكير بأن منح الوضعية الخاصة لأي دولة من دول الجوار يبنى على الالتزام بمجموعة من القيم المشتركة؛ كالديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون والحاكمية الرشيدة ومبادئ اقتصادات السوق والنمو المستدام. بل إن سياسة الجوار تذهب إلى أبعد من ذلك، إذ إنها تتحدث عن شراكة سياسية وتعميق التكامل الاقتصادي وزيادة الحراك والتواصل بين الأفراد.

فنقطة الأساس في منح الوضعية الخاصة هي الالتزام بمجموعة القيم المشتركة في الجانب السياسي، كالديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان، وفي الجانب الاقتصادي، كالإيمان بمبادئ اقتصادات السوق الحر وتدعيم التنمية المستدامة. ولا يمكن من الناحية العملية منح هذه الوضعية لأي دولة لا تبدي قدراً معقولاً من الالتزام بهذه القيم، أو تبدي على الأقل استعداداً للسير في الاتجاهات التي تفرضها هذه القيم. وما أود قوله أن هذه الوضعية المتقدمة لا يمكن من الناحية العملية منحها كجائزة ترضية للموقف أو التوجه السياسي للدولة، لكانت إسرائيل قد سبقت الأردن في الحصول على هذه الوضعية. وأرجو أن لا يفهم من كلامي هذا أن الاعتبارات السياسية لا تدخل في الحسبان في اتخاذ قرارات من هذا النوع من قبل الاتحاد الأوروبي.

ومن المؤسف أن ما نقل على لسان بعض المسؤولين الأردنيين، وما روجت له الصحافة الأردنية أن الموافقة على منح الوضعية الخاصة للأردن ما هو إلا جائزة ترضية على المواقف الأردنية، وما حققه الأردن من منجزات. ليس هنالك من شك في أن المنجزات الأردنية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد شكلت أحد الأسس لصناعة هذا القرار، ولكن الأهم من ذلك هو موافقة الأردن على السير في طريق الإصلاح، والبناء على ما تم إنجازه، بدلالة قبوله لمجموعة من الالتزامات أو الاشتراطات الجديدة. ومن اللافت للنظر أن أيا من المسؤولين أو الصحافة لم يشر إلى هذه الالتزامات. ويهمني أن أشير في هذا المجال إلى مجموعة من الالتزامات في المجال الذي أعمل فيه حالياً، ألا وهو الديمقراطية وحقوق الإنسان. فقد التزمت الحكومة الأردنية في خطة العمل الثنائية مع الاتحاد الأوروبي، التي ستعتمد من قبل الدول الأوروبية قريباًً، بتدعيم وتقوية المؤسسات الحامية للديمقراطية وحكم القانون، والاستمرار في تعزيز استقلالية وحيادية الجهاز القضائي على اعتبار أن القضاء العادل والنزيه هو الضمانة الحقيقية لحقوق الأفراد والتنفيذ السليم لحكم القانون. ففي مجال دعم وتقوية المؤسسات الضامنة للديمقراطية التزمت الحكومة بإجراء انتخابات تشريعية وبلدية شفافة، وبما ينسجم مع الاتفاقيات الدولية التي دخل الأردن طرفاً فيها، وبتمكين الأحزاب السياسية ورفع وعي الناخبين بأهمية المشاركة في العملية السياسية، وزيادة مشاركتهم في صناعة القرارات، وتمكين البرلمان من ممارسة دوره المستقل عن الحكومة بما ينسجم مع الدستور، ودعم مشاركة المجتمع المدني في صناعة القرارات عن طريق التشاور المستمر، ومتابعة لامركزية السياسات واللامركزية الإدارية والمالية بما يعمق مشاركة المواطنين في صناعة القرارات، وتقوية المساءلة المجتمعية والشفافية على حد سواء. وما يهمني بشكل خاص التزام الحكومة بإنشاء هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، وتبني إطار قانوني لرصد الانتخابات التشريعية من جهة، وتقوية الاستدامة المالية للمركز الوطني لحقوق الإنسان ودعم استقلاليته من جهة ثانية.

ففيما يتعلق بالموضوع الأول، سبق وأن أوصى المركز الوطني لحقوق الإنسان بإنشاء هيئة وطنية مستقلة ودائمة للإشراف على الانتخابات بالنيابة عن مؤسسات المجتمع ضمن مشروعه حول "إصلاح الإطار القانوني للعملية الانتخابية"، وذلك قبل مدة كافية من إجراء الانتخابات النيابية للعام 2010، إلا أن الحكومة لم توافق على هذه التوصية حينئذ، لتعود وتلتزم بها أمام الاتحاد الأوروبي بعد عدد محدود من الأشهر، وكان من الأجدر أن تستمع الحكومة لرأي المركز في هذه القضية. أما بخصوص دعم استقلالية المركز العملياتية والمالية فلا بد من التذكير بقرار ديوان تفسير القوانين الذي صدر في نهاية عام 2009 الذي ينص على أن المركز الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة ذات نفع عام مستقلة استقلالاً كاملاً، وليس مؤسسة عامة، وقد نشر هذا القرار في الجريدة الرسمية وأصبح قانوناً، ويعتبر هذا الأمر إنجازا استباقياًً لخطة العمل الثنائية مع الاتحاد الأوروبي حبذا لو أعملت الحكومة الجانب الأوروبي بهذا التطور المهم. أما من حيث الاستقلالية المالية وكفاية تمويل المركز، فلا بد من القول إنه على الرغم من الدعم الذي تقدمه الحكومة للمركز والذي يغطي الميزانية التشغيلية تمشياً مع مبادئ باريس التي أقرتها الأمم المتحدة بشأن استقلالية وتمويل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، إلا أن هذا الدعم ليس كافياً لقيام المركز بمهامه كاملةً في بسط ولاية المركز على كافة أرجاء المملكة وتحقيق كافة أهدافه، الأمر الذي يدعو المركز إلى تمويل عدد من مشاريعه من الجهات المانحة. أما وإن خطة العمل الثنائية مع الاتحاد الأوروبي قد أقرت يؤمل من الحكومة تنفيذ التزاماتها المتعلقة بهذا الجانب.

وخلاصة القول في هذا الموضوع أن الاعتقاد بأن الوضعية الخاصة التي حصل عليها الأردن هي جائزة استحقها بجدارة يمثل نصف الحقيقة. أما النصف الثاني الأصعب والذي يتطلب جهداً استثنائياً ومستمراً فهو تنفيذ الالتزامات الواردة في خطة العمل الثنائية، والتي على أساسها سيتم تقييم الأردن مرحليا والذي سيشكل بنفس الوقت أساسا للمساءلة الدولية من الجانب الأوروبي على أقل تقدير.

*المفوض العام لحقوق الإنسان وسفير سابق لدى الاتحاد الأوروبي

التعليق