الذين من سلالة الفلافل

تم نشره في الأحد 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 02:00 صباحاً

ذلك الحيّ غادرته منذ ما يزيد على خمسٍ وثلاثين سنة، وعلى الرّغم من عاصفة العمران التي هبّت على المدينة، إلا أنّ هذا الحيّ الذي أدخله الآن في مثل هذه الظهيرة بقي كما هو. تشهد على ذلك البيوت الصغيرة المذعورة التي تتكئ على أكتاف بعضها بعضا، والشوارع الناحلة المليئة بالحفر.

كان أوّل ما وقعت عيناي عليه في الحيّ "صالون الأندلس". لحظات وتتابعت المشاهد: مقهى الغرباء، دار أبو حمدي الأعور، عيادة د. صليبا. في هذه الأثناء سرى في كياني إحساس جارف بحب هذا المكان الذي عشت فيه سنوات فتوّتي الأولى. كنت جائعاً فتوجّهت إلى مطعم أبو صبحي الفلافل الذي لاح لي من بعيد كمنقذ.

استقبلتني رائحة الفلافل، فتراقصت في مخيّلتي صورة الحاج أبو صبحي، بوجهه البشوش وكرشه المندفع إلى الأمام. ولأنّ طرف فمه الأيسر مائل إلى الأسفل قليلاً ويتحدّث حديثاً متواصلاً، فقد أطلق الناس عليه اسم أبو صبحي الجَلَقَة! لكنني ما إن وقفت على باب المطعم، حتى شاهدت فتى في العشرينيات من عمره يقوم بقلي الفلافل. ما أدهشني هو الشّبه الكبير الذي كان قائماً بين ملامح هذا الشّاب، وملامح أبو صبحي الفلافل، بخاصّة الميلان الواضح في زاوية الفم.

قلت له: مَرحَباً. قال من دون أن ينظر إليّ، فقد كان منهمكاً في العمل: أهلاً. قلتُ: أين العمّ أبو صبحي الفلافل؟ هنا وضع الشّاب ما بيده والتفتَ إليّ وهو يقول بأسف: أعطاك الله عمره. ترحّمت على الحاج وسألتُه: هل أنت أحد أبنائه؟ فأجاب: إنّه جدّي، وأنا ابن ابنه، أنا مصباح بن صبحي ابن أبو صبحي الفلافل. قال كلمة الفلافل وضغط الحرفين الأخيرين منها (الفاء واللام) كنوع من التّأكيد لاسم العائلة.

قلت له: ما هي أخبار الوالد؟ قال: الوالد يعاني من مرض عضال في ساقيه، فقد دمّرته هذه المهنة. تصوّر أنني أقف على قدميّ كلّ يوم ما يقارب خمس عشرة ساعة!!

نطق الجملة الأخيرة، وانطلق يبثّ شكواه، وكأنّ تلك الجملة كانت فاتحة لطوفان هائل من التّذمّر. هتفتُ في سرّي: ها هو التاريخ يكرر نفسه، وها أنا أقع تحت لسان أبي صبحي الجَلَقَة من جديد. قال كأنّه يلقي خطبةً على جمهور غفير: الحمد لله الذي لا يُحمَد على مكروه سواه. نحن هنا أبناء وأحفاد الفلافل، نتوارث هذه المهنة اللدودة أباً عن جدّ. إننا نتعب ونشقى وندفع الضّرائب تلو الضّرائب. ولا أحد يدرّس أبناءنا في الجامعات، لا أحد يعالجنا. لقد التهبت الأسعار حتى أصبحت مثل نار جهنّم الحمراء. إنّهم يسرقون عرقنا حتى آخر قطرة، ويرمون بنا كالجيَف في هذه البيوت التي تشبه الحظائر. أخيراً نصب البعض هذه اليافطات التي تراها في الشوارع، وقالوا لنا انتخبونا.

حاولتُ أن أكبح اندفاعه، فقلتُ له: كان يمكن لكَ أن تُحسّن من وضعك. كان يمكن أن تدرس يا أخي. ردّ بسخرية: ها ها، لقد درست، ثمّ توجّه إلى خزانة وأحضر ملفّاً ضخماً، وضعه أمامي وصار يقلّب ما فيه من أوراق. انظر قال، هذه شهادة لحام أكسجين، هذه شهادة من مصنع ألمنيوم، هذه شهادة من مخرطة. هذه مجموعة من المقابلات معي في الصّحف. انظر هذه صوري. قلتُ له لأعدّل من مزاجه: هل أنا أمام شخصيّة مشهورة إذن!

قال بيأس: هذا الورق الذي تراه ضحك على الذّقون. كل شيء كذب في كذب، وتبقى هنا حقيقة واحدة تقول: إننا من سلالة الفلافل.

Yousef.abdelazeez@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »this is jordan (hadi)

    الأحد 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    this is Jordan if you are flafel your sun will be flafel and if you are minister your sun will be minister.