علاء الدين أبو زينة

لماذا يشوّهون خطاب الإسلام..؟!

تم نشره في الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

لا أحب كثيراً ركوب سيارات "التاكسي". ولا تسألوني لماذا: فكثيراً ما يريد السائق تزجية الوقت، فيفتح معك حديثاً لا يعنيك، وتكون راغباً عنه –إرسالاً واستقبالاً- فيسألك مثلاً: ماذا تعمل "بلا زغرة؟" أو يحكي لك عن مغامراته ويطلب رأيك؛ وقد يكون انتحارياً متهوراً فيجمد الدم في عروقك؛ أو مفقوء المرارة، يدبُّ بك دبيباً فيغيظك ويؤخرك؛ وقد يسلك بك طريقاً بعيدة "تجنباً للازدحام" فيضاعف المسافة والضيق، وهكذا.. لكنني اضطررت -والمضطر يركب الصعب- فركبت سيارة تاكسي، والتقطني سائق مشعث اللحية وهو يسوق ويتحدث بهاتفه الخلوي. وبعد أن انتهى بعد كيلومترين، قال: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... لا تؤاخذني.. كان هذا أخي الصغير، عمره 20 عاماً، وأنا والله أحبه كثيراً.. توفي أخي الأصغر منه (فقلت: رحمه الله)، فانتقلت محبتي إلى هذا.. سبحان الله.. الأشقاء جيدون، لكن بعضهم "عاطلين"، أجلكم الله... ورب أخ لك لم تلده أمك.. مش هيك يا أستاذ؟"

فقلت: آمين، ودعوت أن يحفظ الله له أخاه الصغير.. فقال: "دعنا من الكلام الفارغ، ولنستمع إلى ما يفيد"، وأدار المسجلة، وضيّفني حبة "ملبّس". وللحظة، أراحني انتهاء الحوار، لكنني توقعت الآتي، فأتى: رجل صرخ بنا بصوت راعد يثقب الأذن، بالغ الانفعال، كثير الخطأ في النحو، لكنه يكرج بلا عثرات بخطابه المحفوظ. وكان صاحبي السائق حافظاً، فردد معه عبارات وكلمات باستمتاع، تعبيراً عن الرضى أو استعراضاً للمعرفة. كان الحديث، -ربما حزرتم- عظة دينية؛ بل خطاب ترويع كله تهديد بالويل والثبور. بدأ بالخلود في عذاب جهنم، والعياذ بالله، وتجلى في وصف العذاب.. ثم حكى قصصاً لم ترد في الكتاب، ولا فيما تعلمناه من الأحاديث الشريفة، كلها هول وكأنها ابتكار مخيلة كاتب رعب مجنون. ثم وصف "الشيخ" هول زلزال "أرمينيا"، وقال إن الله تعالى عاقب به الروس لأنهم هاجموا إخوتنا في أفغانستان. ووعدني -أنا والسائق- بزلازل سيضربنا، ألعن وأكثر تدميراً. وباختصار، كانت نصف ساعة المشوار رواية رعب هستيرية، صورت الإسلام وكأنه دين دموي حاقد، بلا غاية سوى الانتقام من الناس بلا رحمة -خاصة نحن المسلمين- ولا أعرف لماذا..!

ذكرني هذا "الشيخ" بآخر محنّى اللحية طويلها، تطوع للخير، فوقف يعظ في صيوان عزاء.. وسأل الرجل الذي فهمت أنه "خارج للدعوة" من دولة عربية مجاورة: "كيف تأتون إلى هذا الجمع وكلٌّكم يحمل معصيته معه؟" وتفنن في وصف عذابنا نحن العصاة المثقلين بالوزر، وأنا أستمع وأتساءل عن المعصية التي نحملها كلنا، ولا نعلم.. ظننته يقصد "السجائر"، فخبأت سجائري على استحياء. ثم تصورته يقصد أشخاصاً يشربون الخمر وراء الخيمة، وتحزّرت حتى أفصح أخيراً عن "المعصية" المقصودة. قال: "كيف تكون مسلماً وأنت حليق اللحية؟" فتعجبت –في نفسي طبعاً: هل تطهَّرنا، يا شيخ، من كل الخطايا ولم تتبق إلا اللحية؟! وهل هذه أولوية العالِمين يخاطبون أمثالنا "الجاهلين" ليفقهوهم في دينهم؟!

كانت عبقرية خطاب الإسلام أنه تأسس على الوعد والأمل. ولم يبدأ نبينا دعوته بالقول: إما تؤمن أو جهنم وبئس المصير، وإنما بدأ بالطبيعي، بتعريف الناس أولاً بروعة ما ينبغي أن يؤمنوا به، ولماذا يستحق أن يتحولوا إليه.. وبدأ التنزيل بكلمة: اقرأ، وبوصف الله الكريم السمح الذي علم الإنسان ما لم يعلم. وقامت جاذبية خطاب الإسلام على وعد المسترَقين بالحرية؛ والمظلومين بالمساواة ونفي التفاضل إلا بالتقوى، والمرأة بالكرامة وبتحريم الوأد، والإنسان بالطمأنينة وسلام النفس وسلامتها. ثم: ما هؤلاء "يخرجون" لدعوتنا إلى الإسلام في بلاد الإسلام، قاصدين جيراناً يعرفون ما يعرفون، ويقاسمونهم نفس الهوية الحضارية التي أبدعت باحتضانها كل المنتمين إليها، كحضارة راقية، على اختلاف مذاهبهم؟!

كانت تلك وعود الإسلام التي بها أوفى سريعاً، فاستقام حضارة فتنت العالم وأنارته زمناً، أساسها السعة، وفتح العقل على مطلق المعرفة، وتعظيم العلم، وإطلاق الإبداع والمخيلة. فتحققت منجزات لا يمكن أن يحققها مأخوذون بالرعب ومنشغلون باللحى.

هذا جوهر خطاب الإسلام الأصلي، وهكذا ينبغي أن يكون معنى "الأصولية"، إيجابياً، يدرك أن قوة الإسلام كمنت في لين خطابه وإشراقه، واستنهاضه الأمل والعزم. بهذا امتد الإسلام وربح القلوب والعقول، وبه عزّ وازدهى.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أرق تحيّة (مأمون الصيفي)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    طاب نهارك يا صديقي

    من تجارب بسيطة ، عرفت بأن أكثر الذين يرتكزون على مواضيع الترهيب في خطابهم الديني يعانون من نقص ‏ما ، وغالباً تجدهم ممّن لجئوا إلى الدعوة لتغطية عيوب اعترتهم في مرحلة ما من حياتهم ، كنقص الثقافة العامة ‏لديهم ، أو افتقارهم إلى شهادات علمية ، أو نبذهم اجتماعياً ،،، فلو حاولت إجراء نقاش معه حول أي موضوع ‏ثقافي / سياسي / اقتصادي / اجتماعي ... سيسارع إلى تحوير الموضوع ليزجّك في الحديث عن عذاب القبر مثلاً ‏‏.‏
    طبعاً أنا أتحدث عن فئة معيّنة ولا أعمّم ، ولا أنكر دور الدّعاة المؤهلين أصحاب الفضل في التأثير على الكثيرين ‏سواء ممّن أسلموا حديثاً أو حسن إسلامهم بسبب خطاباتهم المبنية على أسس علميّة مستقاة من وحي القرآن ‏الكريم والسنة النبويّة .‏

    للجامع الحسيني وسط عمان ذكريات مرتبطة برائحة عباءة المرحوم أبي الممزوجة بعبق الهيشي ، وكلما زرت ‏وسط البلد أجدها فرصة لزيارة ذلك المسجد والصلاة فيه حتى لو لم يكن موعد صلاة ، وذات مرة وبينما كنت ‏أتوضّأ في باحته ، اقترب مني صاحب اللحية البرتقالية لينبهني الى ضرورة أن يقطر الماء من المرفق حتى ‏تنسلّ الخطايا من بين أصابعي وتذوب بماء الوضوء وتنهمر مع قطرات الماء المتدفّقة من المرفق ........ حتّى ‏خلت نفسي ( دكستر ) في مختبره يقوم بعمل تجربة كيميائية لإذابة ملح الخطايا ( ‏NACL KH‏ ) بماء الوضوء ‏‏( ‏H2O W‏ ) .‏

    وأخيراً : قال رسول الله‏‎ ‎‏( صلى الله عليه وسلم ) لمعاذ وأبى موسى حين بعثهما إلى اليمن " بشرا ولا تنفرا ‏ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا "‏
    وقال أيضاً : إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره .‏

    أشكرك يا صديقي على هذا الموضوع القيّم ‏
    وأدام الله قلمك منبراً للحق

    كل الاحترام
  • »الدعوة بالحكمة والاحسان اساس الدعوة (غادة شحادة)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    مقالة الككاتب قلبت علينا المواجع بما وصل اليه حالنا نحن المسلمين الموحدين ونحن نرى ادعياء الدين وهم يبثون روح الرعب في المتلقين فيبدعدونهم تدريجيا ومن حيث كما اعتقد عن دراية وفهم اذا ان اغلب الظن ان هذا مخطط مدروس لابعاد الناس عن الدين وحتى الذين يفعلون ذلك بدافع الحرص على الاسلام انما يفعلون ذلك عن جهل وهذا اشد الخطر على الامة الاسلامية فاالجاهل هو المعول الاساسي في هدم ركائز الشريعة مع اننا لو جعنا الى ابسط اصول الدين لعرفنا ان الشارع ذكر المحرمات مثلا لانها قليلة والمراد لفت الانتباه اليها اما المحللات فهي كثبرة والاشارة اليها ستاخذ وقتا وجهدا غير مبررين
    وليكن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم اسوة حسنة فالله تعالى يقول عنه ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فمن هؤلاء الذين يبتدعون طريقة جديدة للدعوة اوليس الله تعالى القائل ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة لم يقل ادع الى سبيل ربك بالتهديد والوعيد الويل والثبور اعتقد اننا نعاني نقصا كبيرا في معرفة احكام ديننا ولو عرفناها حقا لما احتجنا الى اشباه الوعاظ ليرعبونا
  • »التفصيل حسب المقاس (محمد)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    لااعلم اصرارنا على تقويض امور ديننا بما نريده فقط وعدم قبولنا ما لا نريده بمعنى ان التوازن بين العذاب والثواب هو الطريقة التي ارتضاها لنا رب العالمين وتجلت هذه الطريقة في كتابه العزيز حيث فيه ترغيب وترهيب وكطبيعة بشرية مختلفة عند الناس منهم من يغيره اتلرهيب ومنهم الترغيب واذا نجحت طريقة منهما لا يعني انكارنا للاخرى فهي ارادة ربانية فعلينا القبول بكليهما واما المثال الذي استشهدت به فكانت بدايات الدعوى ونحن الان على نقيض ذلك والمفروض بماان الله اكمل لنا الدين ان نحيط بجوانبة ولا ضير ان نوازن العذاب والثواب والجنة والنار كما في القرءان وهو حكم السيف ومثال ذالك لما مر الرسول عليه الصلاة والسلام بصحابة يضحكون فقال لهم لو علمتم ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا او كما قال عليه الصلاة والسلام وهذا ترهيب لهم ايعقل انكار هذا الاسلوب والذي هو صادر عن ادرى البشرية باحوال ديننا وكذلك اتبع الرسول الترغيب بابعد حدودة لذلك علينا ان نقبل الاثنتين وان لا ننكر اخرى ومن الناس من ينفعهم ترغيب ومنهم ترهيب ولا داعي الى اطلاق مسمى تشويه الخطاب على احداهماوهي طريقة واردة في القرءان وللعلم ونحن الان بعيدين عن ديننا وذلك ما نراه في البنوك الربوية والشوارع والجامعات والملاهي فهل ترهيب هؤلاء يعتبر تشويه ام علينا الترغيب فقط اذا كل مجرم علينا ان لا نخوفه من ادائه بل ان نرغبه بالعيش الشريف فهل هذا صحيح ثم ما ادراك ان الشيخ يستمع طويلا لهذه الطريقة ربما بعد مغادرتك السيارة سمع شريط عن الجنة والحور العين مثلا فلا تحكم على ما رايت بدقائق معدودة ولا تنكر طريقه ارتضاها لنا رب العالمين فانا من احدى الناس مثلا يؤثر بي الترهيب اكثر من الترغيب ومثال ذلك تربية الاطفال ففيها المكافات وفيها الضرب والغاء الضرب غير المؤذي ساقنا لكثير من المشاكل وعدم احترام للمعلم وكثرة الضرب تؤدي للكره اي لا ضير في التوازن ولا انكار لاي طريقة.
  • »هكذا أفهم الأسلام (د. عبدالله عقروق /فلوريدا)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    شكرا أخي علاء على طرح هذا الموضزع الذي يصادف الناس يوميا عشرات المرات.واسمح لي ان ابدي وجهة نظري بالنسبة للدين الاسلامي الحنيف من وجهةنظر عربي نصراني، عاش اجداده في الجزيرة العربية منذ بزوغ الأسلام ،ةوانتشاره في معظم العالم انذاك حتى يومنا هذا ، كما تشير شجرة عائلتنا ، فأنا أؤمن بأن الاسلام جاء لتعريف الناس برب العالمين ، ثم يعث الله بالرسول العربي محمد ، صلى الله عليه وسلم ،ليكون رسول الله .لينشر الدعوة الاسلامية بين الناس طوعا ، وبمحض ارادتهم ، وبايمانهم بتعاليم الأسلام . ثم انزل الله بالمعجزة ، القرأن الكريم وثم تلى ذلك السيرة النبوية لتنقل للمسلمين وغيرهم أقوال ، وأفعال ، وتجارب ، وحكم الرسول محمد..وعلى هذه الأسس انتشرت مفاهيم الأسلام ، وكبرت الأمبراطورية اللأسلامية ، وأخضعوا الدول الأخرى الوثنين منهم فقط على دخول الاسلام .وحكموا بالعدل ووالمساوة والقسطاط وبمخافة الله .ويعود بقاء عائلتي التي تدين بالنصرانية تقريبا قرنا ونصف وهي معاتنقة النصرانية حتى يومنا هذا
    تاثر الاسلام كثيرا بظهور المذاهب والعقائد والتفسيرات والأجتهادات والفتاوي الي قسمت الاسلام الى فرق متخاصمة ادت الى سفك الدماء الاسلامية عبر التاريخ حتى يومنا هذا .وأصبح المسلم لا يفرق بين العربي النصراني والمسيحية الغربية الماجنة والمحرمة بأن واحد ، وهم ألد اعداء العرب النصارى التابعين للكنيسة الشرقية، وكانت سببا من اسباب الحروب الصليبة ، ولا يزالون ليومنا هذا ينفتعلون الأحداث والفتن ويلصقوها بالأسلام
  • »مبالغات وصفية ! (ناصر أبو عين)

    الأربعاء 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    لقد مارس الأستاذ علاء أبو زينة أسلوب المبالغة في التعميم الوصفي. فليست هذه الحالة التي أوردتها الأستاذ في القصة القصيرة المعنونة بـ : ( لماذا يشوهون خطاب الإسلام؟) تعتبر معيارا ولا بأيّ شكل من الأشكال على قياس مستوى المدى العقلاني والعلمي لدى الكثير من المواطنين المتدينين، ثم إنه ليس من الصحيح قياس حالات فردية قد تعتبر شاذة أو نادرة لدى طبقة معينة من طبقات المجتمع، ثم تناولها تناولا نقديا لاذعا بهذا المستوى.
    إن الحوار الذي أجراه الأستاذ علاء حوار طبيعي ناتج عن ارهاصات طبيعية بسبب الوضع السياسي والإقتصادي الراهن. فمثلا يمكنني أن أكتب مقالا وأعنونه ( لماذا يشوهون صورة الطرب) وأورد نفس القصة لكن بطابع تهكمي حول سائق يضع موسيقى خالعة لا تعد من مستوى الرقي الموسيقى العام. إلا أن هذا مرفوض تماما عند الباحثين الاجتماعيين. فأنا آخذ ظاهرة خاصة وأصبغها صبغة عامة ثم أحاكم فيها الناس!.
    ثم إن عنوان المقالة يدل على حجم المبالغة التي مارسها الأستاذ علاء في مقاله هذا. حيث أن الإسلام لا يتشوه أبدا من مثل هذه التصرفات البسيطة. الإسلام لا يتشوه من حالات فردية تعاني من ضعف الخطاب وفن الدعوة. ( فأعتقد ان سائق التكسي هذا ليس بحجة على الخطاب الإسلامي.)