الحل في التهرب من الحل

تم نشره في الأحد 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

من غير المرجح أن تكون الإدارة الأميركية، الغارقة في دوامة كبيرة من الهموم الداخلية، المتخبطة أمام تحدياتها الخارجية، على قناعة بأن تدليلها المبالغ به لإسرائيل من شأنه تليين الموقف التفاوضي المتعنت لحليفها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، ومن ثم الوصول معه إلى منتصف الطريق، لملاقاة الشريك الفلسطيني الذي قطع شوطاً من المسافة، ولم يبلغ بعد أول جسر العبور نحو مائدة المفاوضات وجهاً لوجه.

إذ تبدو جملة الاشتراطات التي تضعها حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف، لقاء قبولها بسلة كبيرة من المزايا الأمنية والسياسية، المقدمة لها سلفاً من جانب إدارة أميركية تزداد وهناً وارتباكاً وانعدام بدائل، تشي من الآن بما سيكون عليه حال اليوم الواحد والتسعين، أي فور انتهاء فترة التجميد الجزئي للاستيطان المقترحة لثلاثة أشهر لإنهاء التفاوض حول قضايا الأمن والحدود معاً.

وأحسب أن الأميركيين الذين لا يتحسسون دائماً موضع أقدامهم جيداً، يفترضون في قرارة أنفسهم أن هذا الوقت المستقطع لن يكون كافياً لإنهاء هذه المهمة الدبلوماسية المعقدة، ليس لأن عرضهم لا يتصف بالسخاء، وأن مقاربتهم للعناد الإسرائيلي لا تتسم بالملاطفة الفائضة عن الحد، وإنما لأن الولد الذي أفسده الدلال الطويل والتسامح الشديد، غير مؤهل ذاتياً لدفع استحقاقات عملية السلام.

وعليه، فإن أفضل التقديرات لما سيكون عليه الموقف الأميركي في اليوم التالي على انتهاء فترة التجميد الجزئي للاستيطان، لن تتجاوز فرضية إقدام واشنطن على طرح رؤيتها للحل في الشرق الأوسط، في صورة رزمة سياسية اقتصادية أمنية شاملة، تأخذ في اعتبارها الحد الأقصى من مطالب إسرائيل وأطماعها، وربما معظم شروطها التعجيزية، مقابل الحد الأدنى من مصالح الفلسطينيين والقليل من طموحاتهم الوطنية. وإذا كان من اليسير على إسرائيل الامتناع عن قبول مثل هذه الرزمة، اعتماداً على صداقاتها الوازنة داخل الولايات المتحدة، ناهيك عن قدراتها على المراوغة، فإن من العسير على الفلسطينيين والعرب رفض أي عرض أميركي محتمل، طالما أنهم لا يملكون البدائل الجدية، ويفتقرون أساساً إلى القدرة على المساومة، فوق أنهم كانوا وما يزالون يعقدون الرهان على تدخل دبلوماسي أميركي يشفي رؤوسهم من الصداع الفلسطيني الملازم لهم منذ عقود مديدة.

ووفق هذا السيناريو الذي ترتسم بعض ملامحه من بعيد، فإن الكرة ستنتقل إلى ملعب الفريق الفلسطيني، الذي سيجد نفسه أمام خيارين أحلاهما أشد مرارة من الآخر، فإما أن يقبل بصفقة المغبون وينهي نفسه بنفسه، وإما أن يتجشم عناء الرفض ويدفع ثمناً لا يقدر على دفعه، خصوصاً إذا ما لقيت الرزمة الأميركية المنتظرة استحسان أوروبا وقبول بعض العرب، حتى لا نقول بعض الفلسطينيين.

فإذا تم وضع هذه الرزمة الأميركية على الطاولة، فإن من المقدر للوضع العربي المنقسم على نفسه أن يزداد انقساماً، وللحالة الفلسطينية المأزومة سلفاً أن تشد حدة، وللمراوغة الإسرائيلية المعهودة أن تتواصل في انتظار أن يأتي الرفض من الطرف الآخر الملام دائماً على تفويت الفرص، فيما ستبدو أميركا كمن قال كلمته وأوفى بوعده، وبات في حل من مواصلة حمل السلّم بالعرض.

إزاء ذلك كله، ودرءاً لكل التبعات المحتملة، فإنه ينبغي العمل من الآن، لتجنب الوقوع في مصيدة القبول أو الرفض لمثل هكذا صفقة أميركية بائسة، خصوصاً إذا أتت مجحفة بالحقوق وماسة بالثوابت، ومنهية للصراع بأبخس الأثمان، وفق ما تنطق به حقائق علاقات القوة وموازينها المختلة، ناهيك عما درجت عليه التقاليد الدبلوماسية الأميركية في لوم الضعيف وتجنب تبعات المواجهة مع إسرائيل وأصدقائها في الكونغرس.

إن ما ندعو إليه ببساطة هو السعي مبكراً لاجتراح حلول مبتكرة، تقوم على مبدأ التطويق والاحتواء والتنسيق إزاء مضاعفات صفقة من غير المقدر لها أن تكون متوازنة، والعمل حثيثاً لمنع وقوع الفأس بالرأس، وفق قاعدة أن أفضل حل ممكن في هذه اللحظة السياسية الملتبسة هو التهرب من الحل وتأجيله ما أمكن.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق