عزلة الفرد والهروب إلى الداخل

تم نشره في الأحد 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

مناسبتان متعاقبتان أضاءتا مسألة الاتصال والانفصال في التفاعل المجتمعي المحلي: الانتخابات النيابية، والعيد. وكانت التجليات الأبرز فيهما: الميل إلى العزوف عن المشاركة في النشاط الجمعي، ورغبة الناس في العزلة، وضيقهم بإملاءات الحدث العام الذي أصبح عبئاً لأنه يفرض على الفرد الانخراط في الحراك السياسي أو التواصل الاجتماعي.

وعزلة الفرد ظاهرة متعلقة بسلوك الفرد الاجتماعي من حيث الأساس. وعلى المستوى النظري، يمكن القول بأن ميل الفرد إلى العزلة كان الأصل. لكن الاجتماع، بمعنى تشبيك علاقات مع الجماعة البشرية، جاء لغاية عملية هي إدامة الوجود الفردي وتقاسم الأدوار في المقام الأول. وبالتدريج، أصبح الاجتماع هو قاعدة السلوك البشري. وأصبح تزايد عزلة الأفراد يحمل أعراض الأزمة عندما يصبح ظاهرة. ويبدو أن هذه الظاهرة تتفاقم بفعل عاملين أساسيين: التمدن؛ والأزمات العامة.

يجلب زحف المدنية في ركابه متعلقات حتمية، منها إلحاح الانهماك في العمل؛ وسرعة الإيقاع، وارتفاع قيمة الوقت؛ وضغط المطالب المادية؛ وشدة التنافس. وينتج عن ذلك إصابة الفرد بالإجهاد في محاولته العثور لنفسه على "حيز"، سواء في سوق الإنتاج أو في الهيكل الاجتماعي. وفي العادة، تضغط المدينة على الفرد بطريقة تختصر حيزه باطراد لصالح آخرين من الساعين إلى توسيع حيزهم الخاص. وقد تحدث كثيرون عن الهيكل المعماري للمدينة، والذي يحشر الناس في "علب" متراكبة، في بيئة مليئة بعوامل التلويث البصري والسمعي. لكنه يبدو أن هذا الاكتظاظ المعماري يمتد إلى الداخل، فيضيّق الصدر وحيز الروح أيضاً. وينجم عن ذلك تصاعد عوارض التوتر والقلق والانسحاب الاجتماعي.

في المجتمعات الغربية، أصبحت مظاهر عزلة الفرد والارتكاس على الداخل بفعل المدنية شيئاً اعتيادياً، لأن تلك المجتمعات تجاوزت تجربة الانتقال من الثقافة الريفية إلى المدنية منذ بعض الوقت، وتأقلمت الأجيال الجديدة مع نتائجها. أما في مجتمعاتنا النامية، فقد شهد معظمنا تحولات مديرة للرأس خلال فترة قصيرة، في البنى الاجتماعية والسلوكية والمعمارية والأخلاقية. وقد جاءنا التمدن على شكل طفرة في النصف الثاني من القرن الماضي بسبب مد النفط والتحولات الاقتصادية وارتفاع منسوب التعليم والانفتاح النسبي على معطيات الثقافة العالمية. ولأن الانتقالة لم تكن تدريجية، نجم نوع من الفصام بين شخصيتين اجتماعيتين في الفرد نفسه: مخلفات الثقافة الريفية والتركيبة التقليدية من جهة، والكم الهائل من المفاهيم الجذابة الجديدة، على المستويات المعرفية والسلوكية والنظرة العالمية. وأصبح ذلك الفصام ظاهراً في تركيبة المدينة الواحدة التي تعرض تبايناً في السلوك الاجتماعي. وسأذكر مثالين من التجربة الشخصية:

في عمان الشرقية مثلاً، ثمة بقايا للترابط الاجتماعي التقليدي وبعض الدفء. وهناك ظاهرة "الفضول" أيضاً، فإذا شاهد الجيران تجمع زوار عندك، فإنهم يحاولون معرفة السبب ويميلون إلى مشاركتك مناسبتك.. وفي المقابل، حدث حين توفيت والدتي بعد أن انتقلت إلى عمان الغربية، أنني كنت أسكن بناية تتكون من 24 شقة، ولم يعزّني أحد من الجيران لأن أحداً منهم لم يعرف بما حدث عندي ببساطة. وفي حادثة أخرى في نفس المكان، تطوعت للمساعدة -بعد تردد حتى لا أبدو حشرياً- فحملت أحد الجيران ليلاً إلى المستشفى بعد صراخ صعد من شقته، وبقيت معه حتى عولج من أزمة قلبية عارضة وأعدته إلى البيت. وفي الأيام التالية، لم يشكرني الجار، وظل يمر بي يومياً، فلا يلقي السلام.

أما عن أثر الأزمات في تعميق العزلة، فقد تحدثت الأدبيات عن إصابة الذات الفردية بالتشويه في أوروبا ما بعد الحربين. ومع أنه يفترض في الأزمات أن تجمع الناس على قاعدة أن التشارك يقلل حجم الضغط على الفرد، فإن ذلك يتطلب وجود مشروع جمعي وإحساس بالجدوى. وحين ييأس الناس من تحقق انفراج، فإنهم ينفضّون ويعود كل واحد إلى نفسه وينشغل بمشروعه الخاص. وفي الشأن المحلي، تمكن إحالة العزوف عن المشاركة في الانتخابات مثلاً إلى هذا العامل بالذات، حيث تتعمق الأزمات السياسية والاقتصادية ويغيب المشروع الجمعي والأطر، ويعز احتمال تحقيق انفراج في الأحوال المباشرة بسبب تراكم الخيبات.

في العموم، يعمل اتساع حيز الفرد، بمعنى حل جزء من معضلاته الوجودية والمادية، على فتح علاقاته مع حركة المجتمع بكل مناطقها.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شاهد ما شفش حاجه (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأحد 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    أجدت يا اخي علاء ، كما عودتنا دائما في وصف مجتمعنا، وأفراده وتقلباتهم الحياتية والسياسية..لا تأتي العزلة من فراغ ، الا أذا كان الفرد يعاني من اضطرابات نفسيه .تأتي العزلة في كثير من الأحيان قسرية لآمور تتعلق بالسياسة المفروضة على المواطن .فالعزلة هنا تحصيل حاصل تجنبا لأصطدامات ربما تورط المواطن الى امور خطيرة .وانا احد الذين يؤمنون اننا في مجتمع لسنا مخيرين في كثير من الأمور .فمن صالح الدولة أن تغلق الباب على مصراعيه أمام هؤلاء الذين يطالبون بحريات اكثر ، فتأتي هنا العزلة التي يختارها المواطن للحفاظ على عدم المساس في مسئولياته نحو اسرته..نحن مسيرون شئنا أم أبينا .ومن مصلحة الفرد أن يغطي عينيه ، ويتبع سياسة عادل امام ، شاهدماشفش حاجة
    المواطن العربي يعاني من انفصام في الشخصية ..سبب ذلك هو الصراع الدائم بين السلطة ، وفئة من اشعب الذين لا يؤمنون بسياسة الدولة.وفي الوقت ذاته امامهم مسئوليات عائلية عليهم المحافظة عليها.
  • »مع العزلة و ضد الإختلاط في هذا المجتمع (خالد السلايمة)

    الأحد 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    أسعد اله أوقاتك أخي الكريم

    أنا إبتعدت عن التعليق في الأمور السياسية (ما عدا الفلسطينية) و لكن مقالك يستحق التعليق لأنني أختلف معك جملة و تفصيلآ

    أنا مع العزلة في الأردن! مع من تريدني أن أختلط, مع جيراننا الذين نضطر أن نطلب لهم الشرطة بين الفينة و الأخري ليتركوننا ننام عند منتصف الليل (إما بسبب الألعاب النارية أو المسجل الذي تسمع صوته من العبدلي!)! مع من تريدننا أن نختلط!؟ مع جيراننا الذين أولادهم يبدأون بالتشحيط و التشفيط بالسيارات بعد الساعة الحادية عشرة ليلآ! مع من تريدنا أن نختلط!؟ مع جيراننا الذين يجلس أولادهم و لم يتجاوزا الخامسة عشرة على قارعة الشارع ليدخنوا السجائر و يتحدثون بكل قلة أدب!؟

    السؤال الذي يجب أن تطرحه على نفسك, هل مجتمعنا لديه الوعي و الثقافة و الأخلاق العالية ليستطيع الناس التزاور و التحدث فيما بينهم!؟

    عائليآ, قمنا بتقليل التزاور لحدوده الدنيا, فالذي يحسد كل شيء ( و الحمد لله الناس في الأردن تحسد الأخضر و اليابس) لا نريد الخلطة معه, و الذي يتحدث بلغة غريبة عجيبة لا نريد الخلطة معه, و الذي يفكر بطريقة عجيبة غريبة لا نريد الخلطة معه, و لهذا أفضل شيء في الأردن لتجنب كل هذا هو العزلة و الإبقاء على صديق أو إثنين ممن تتفق معهم و كان الله بالسر عليم!
    يا رجل في الأردن لا يتصل بك أحد إلا ويريد أن تقرضه مبلغ من المال و يحلف مليون يمين أنه سيسدد بعد 3 أيام و تظل تطالبه سنتين و لا يدفعك لك حقك إلا بعد نشفان ريق و جاي تقلي لي خلطة!

    تذكر يا أخي أنك في الأردن, و الطوش و الهوشات و الكتل و الضرب و الذبح موجود في كل مكان و تريد مننا ان نخرج من العزلة! أعوز بالله من غضب الله.

    كل واحد يسكر الباب على حاله أحسن له
  • »نحن والزمن على انفسنا (غادة شحادة)

    الأحد 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    فتح الكاتب بمقاله افاقا كنا نغلقها في داخلنا وذلك لاننا سمحنا لمشاكلنا ودواخلنا ان تقضي على حياتنا الاجتماعية لا اذكر اخر مرة رايت فيها شخصا يبتسم من قلبه او يزور احدا بدافع الاشتياق او المحبة عالاغلب بدافع الواجب والخوف من الاحراج
    اغرقتنا حياتنا بحيث نسينا ان لانفسنا علينا حقا فنحن نقلتها بالحياة اليومية والمطالب المادية وحرمنا انفسنا الابتسامة لن نقول ان الذنب ذنبنا فقط اذ ان الحياة نفسها اصبحت صعبة ولا احد ينكر ذلك لكن مع هذا علينا الا نكون عونا لضغوطاتنا على انفسنا وارواحنا نسمح لها بالانفراج والتفريج
  • »أجدت يا علاء (زهير عناب)

    الأحد 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    أصبت يا صديقي . هذا هو واقع المدينه والناس الآن . أين عبارات "الجار للجار" والنخوه والشهامه؟ أرجوا أن تكتب مقالا عن سلوك الفرد في الشارع وكيف أن العامل المشترك عند معظمهم هو: أنا أولا . في قيادة السياره والمرور وغيره . الأنانيه في التجاوزات المروريه شيء غير حضاري أبدا . وهو نمط من السلوك تحت قانون الغاب . أرجوا أن تعالج هذه الظاهره ولك التقدير .
  • »حول العزلة والانغلاق الاجتماعي (ناصر أبو عين)

    الأحد 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    لقد أصاب الأستاذ علاء أبو زينة في تشخيصة لحالة المجتمع المدني الراهن، بل وأجاد في تعبيره عن مستوى الانغلاق العام الذي تشهده بلادنا رغم المناسبات والقضايا السياسية والإجتماعية، والذي كان يُعتقد أن يكون هناك فائضا في الإقبال الإجتماعي والنشاط المدني لا عزلته عن الواقع، ويمكننا إرجاع تلك الظاهرة إلى عدة أسباب أساسية، منها يأس المجتمع من دعوات الإصلاح والتجديد، فصارت العزلة عن المشاركة السياسية محصورة على فئة خاصة ربما هي المنتفع الأول من تلك المشاركات، ثم ضعف المستوى الثقافي الذي يؤكد على ضرورة الإنخراط في المجتمع والمشاركة فيه لا اعتزاله والنكوص عن مستجداته، والظاهر أن بلادنا ليست بمعزل عن العالم الغربي مثلا في ظاهرة العزلة الاجتماعية، بل أصبحت ظاهرة ( اعتيادية ) كما يقول الأستاذ علاء.
    إن عملية الإنعاش الإجتماعي تتطلب جهود كبيرة من قبل المسؤولين والمختصين، وعلى الطرفين الحكومي والخاص، وذلك لإعادة النشاط العام إلى روح الشعب والسكان.
  • »يا الهي (me)

    الأحد 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    كمان ما عندي تعليق