إللي بدو يعمل جمّال

تم نشره في الاثنين 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 02:00 صباحاً


 

انتهت الانتخابات النيابية الأردنية بما صاحبها من تحديات وحوارات داخلية، وها هو مجلس النواب الجديد يتأهب لدوره في الحياة السياسية الأردنية، ما يتطلب وقفة تقييمية للاستفادة من دروسها، خصوصا و"مشروع اللامركزية" يستعد للانطلاق في العام المقبل.

حسب التقارير الأولية، فقد تم إنفاق قرابة 100 مليون دينار على العملية الانتخابية، ولما كانت الأصوات التي حصل عليها جميع المرشحين، فائزين وخاسرين ما مجموعه مليون ومائة ألف صوت، فإن كلفة الصوت الانتخابي الواحد كانت 91 دينارا، أي ما يعادل 128 دولارا، هذا بينما يشير تقرير عن انتخابات التجديد النصفي في أميركا التي جرت في مطلع الشهر أن كلفة الصوت الانتخابي الواحد هناك بلغت 43 دولارا، وبما يعتبره التقرير إضرارا كبيرا بالديمقراطية الأميركية لدرجة جعلت الرئيس الأميركي يشكو من "المال السياسي" الذي أغدقته الشركات المؤيدة لمرشحي الحزب الجمهوري المنافس.

وبتطبيق المعيار نفسه مع مراعاة الاختلافات جغرافية واجتماعية وغيرها، فإن تضرر العملية الديمقراطية الأردنية واضح، ويمكن تلخيصه ببساطة "من لا يملك من المال الكثير، عليه ألا يفكر بالدخول في خضم الانتخابات البرلمانية".

إن ارتفاع الكلفة المالية للترشح للانتخابات النيابية واضح، ويغدو أكثر وضوحا إذا قارنّاها بكلفتها أيام زمان، التي تبدأ بالصيوان وأصول ضيافته حسب قدرة المرشح وأضوائه والدعاية والإعلان بأنواعها من يافطات وصور ومطويات وكتيبات ونفقات المؤازرين والعاملين في الحملة الانتخابية حتى وصلت إلى موظف "فاليه" خاص ينظم اصطفاف سيارات الزائرين، ما يعني أن "المال" أصبح مدخلا أساسيا في العملية الديمقراطية الأردنية، وهذا ما رأيناه في تطور ملحوظ على الانتخابات البرلمانية المصرية أيضا، ما أدى في النهاية إلى بروز فئة النواب "رجال الأعمال" ودخولهم حلبة البرلمانات كفاعلين أساسيين، بعد أن كان فرسانها الحزبيين ورجال السياسة والاقتصاديين، ما يدخل تغييرا ملحوظا على دور البرلمان الأردني بتقليص البعد السياسي لأدائه وتغليب أدوات الضغط المصلحية على جانب التشريع والرقابة، و"قانون المالكين والمستأجرين" الأخير أصدق مثال على ذلك.

وبمتابعة النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية، وتوخيا للموضوعية والبعد عن المجاملات، فإنه من الحق أن نقول إنه آن الأوان لتغيير قانون انتخابات الصوت الواحد بصيغته الحالية وتقسيمة الدوائر بشكلها الوهمي وغير الوهمي، حيث رأينا كيف ترجم القانون نفسه عمليا بظلم يصعب الدفاع عنه، وبنتائج استفزازية سهلة القراءة بآثارها السياسية والاجتماعية المتمثلة بخسارة من فاز بأصوات أكثر وفوز من حصل على أصوات أقل، ما يفقد العملية الانتخابية جوهرها التمثيلي، ويضمن حالة احتكار لقوى مجتمعية محددة، وحالة استثناء واحتقان لقوى مجتمعية أخرى ما يهيئ لتفسخ شرائح المجتمع الأردني كبيرها وصغيرها ونتائج يصعب التنبؤ بعواقبها.

لا جدال أن المال عصب الحياة، لكن دخوله بفجاجة مكونات العملية السياسية والتشريعية كما نراها، يخلق مخاطر كبيرة، ورغم عدم وجود قانون انتخابات "نموذجي" ولجوء الدول لتفصيل القوانين التي تخدم أهدافها، نقول إن قانون الصوت الواحد بتفصيلته الحالية أصبح يضر بتطور الحياة الديمقراطية في الأردن وبانسجام المجتمع الأردني ويخضع أعلى مراحل العمل السياسي لآلية غير عادلة، لتضاف إلى عدم عدالة توزيع الثروة ومكتسبات التنمية مما يرفع مستوى القلق ويفقد شعار "توسيع مشاركة المواطن" معانيه.

التعليق