شعارات للبيع!

تم نشره في الأحد 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

وقف "عامل الوطن" أبو العوض محتارا، وهو ينظر إلى كم اليافطات الانتخابية الهائل، الذي كان يتعين عليه أن "يحل وثاقه" عن أعمدة الكهرباء، هذا المساء، كان مطلوبا منه أن "ينظف" الشارع الممتد أمامه، من تلك اليافطات التي تركها المرشحون وراءهم، بعد أن انفض السامر، وآب المحتفلون والخاسرون إلى بيوتهم.

غير أن أكثر ما كان يثير حيرة أبو العوض، هو الطريقة التي كان يجدر به أن يتعامل بها مع تلك اليافطات، فالمفترض أنها تحمل شعارات مهيبة لا يجوز أن توضع في سلال المهملات، كالمخلفات الأخرى، التي اعتاد أن يكدسها يوميا في الحاويات، ومن ثم إلى مكبات النفايات.

وتساءل أبو العوض، وسط حيرته وارتباكه، لماذا لم تفكر، وزارة البيئة، مثلا، التي ما انفكت تتحدث، يوميا، عن أهمية "إعادة تدوير" النفايات، لاستغلال نواتجها، مرة أخرى، بتدوير هذه المخلفات، على قاعدة أنها تحمل شعارات قابلة "للتدوير"، أيضا، ولا ضير من إعادة استخدامها بعد أربع سنوات، بدل أن تهدر الأموال على شعارات جديدة!

غير أن أبو العوض، عاد واستدرك، محدثا نفسه "الواقع أن هناك شعارات لمرشحين خاسرين، ولا يجوز (تدويرها)، ثانية، لأنها "منتهية" المفعول، على ما يبدو".

وهنا لمعت بذهن أبو العوض، فكرة "تجارية"، فقد فكر أن يستغل هو نفسه تلك الشعارات، فيجمع شعارات المرشحين الناجحين، ويكدسها على حدة، وكذلك الأمر بالنسبة للمرشحين الخاسرين. ثم يقوم بعد أربع سنوات بافتتاح "كشك" انتخابي، يبيع فيه كلا الصنفين من الشعارات، الناجحة منها بدينارين، والخاسرة بدينار، على قاعدة أن "الشعارات الناجحة" طريق مضمون إلى البرلمان، و"الخاسرة"، تشرى على سبيل الاعتبار، ولعدم تكرارها من قبل المرشحين الجدد.

"يا للهول! هذه الشعارات كنز.. كنز حقيقي.. لماذا تترك طعاما للحاويات والجرذان؟ لماذا لا يفكر الفقراء، من أمثالي، باستغلالها؟".. حدث أبو العوض نفسه، وهيأ حاويتين، الأولى ليافطات الناجحين، والأخرى ليافطات الخاسرين، وبدأ عملية الفرز..

"هذه اليافطة لشعارات (براقة).. ممتاز، سآخذها غدا إلى شركة الكهرباء لأدفعها بدل دستة الفواتير المكدسة.. وسيقبلون، بالطبع، بالمبادلة... وهذه يافطة بشعارات (مائعة)، سأستبدلها هي الأخرى بفواتير الماء.. وهذه يافطة تنتقد "مديونية" البلد، سأقايضها بالقرض المتجدد، الذي أخذته من البنك لعلاج ابنتي، وهذه يافطة بشعارات (مشتعلة)، سأستبدلها بجالون كاز لزوم الشتاء، وهذه يافطة بشعارات (حمراء) سأقايضها ببكسة بندورة.. وهذه يافطة بشعارات (دسمة) سأستبدلها بكيلو لحم بلدي، وهذه يافطة "من دون شعارات" تماما، تصلح لرفعها راية بيضاء في مرحلة السلام، وهذه يافطة بشعارات طويلة، تصلح غطاء لأولادي في البرد.. وهذه يافطة بشعارات (غائمة) تصلح مظلة واقية من المطر، وهذه يافطة بشعارات تتعهد باكتشاف البترول، وتصلح لتفصيلها "دشداشة"، وهذه يافطة بشعارات (طنانة) تصلح لمكافحة الذباب "الطنان"، الذي أصبح جزءا عضويا من "عيلتي"، وهذه يافطات بشعارات (منقرضة)، تصلح هي الأخرى مبيدا للقوارض التي توشك أن تأتي على "بيتي".

"يا سلام! كيف لم تتمخض قريحتي عن مثل هذه الأفكار سابقا" تساءل أبو العوض وهو يواصل جمع "ثروته"، بتأن وحذر شديدين، خشية أن تتلوث اليافطات.. ينفض اليافطة مرات عدة ثم يطويها ويضعها في الحاوية المخصصة لها.

ولا حاجة طبعا للتأكيد أن أبو العوض قد استثنى، تماما، وعامدا متعمدا، جميع اليافطات التي كانت تحمل شعارات تدعو إلى "التحرير" و"الوحدة"، و"القومية"، وتستصرخ الضمائر، لأنه كان يدرك جيدا أنها شعارات لم يعد أحد يقبل بشرائها في هذه الأيام، بعد أن تم إغلاق "سوقها" تماما.

خاتمة: ما يزال جميع معارف أبو العوض وأصدقائه حائرين في سر الثراء المباغت الذي أصاب صاحبهم، بين ليلة وضحاها، ونقله من "عامل وطن" إلى "تاجر شعارات".

basel.talouzi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »باختصار (محمد)

    الأحد 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    كاتب رااائع... أفكار عظيمة... أسلوب ومفردات خاصة ... سلاسة في تسلسل الأفكار... ممتع
    استمر أستاذي (:
  • »Allah 3laik (Hanthala)

    الأحد 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    Great article with great way of describing details ,it is true and painful truth
  • »أمانة العاصمة (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الأحد 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    سأترك جانب الفكاهة المقصودة ، وأقول بأن امانة العاصمة كان عليها أن تطلب من اصحاب اليافطات الأيعاز الى جماعاتهم أن يلموا يافطاتهم، واعطائهم مهلة يومين ، ومن لا يستجيب أن تغرمه 1OOدينارا كل يوم يتأخر عن ازالتهم.
    ولنعود الى فكاهة المقال الذي عودنا عليه دوما الأستاذ باسل بأن معطم المرشحين غير قادرين على حماية شعاراتهم لذلك ستكون سلعة تجارية لصديقنا ابو العوض ..فوالله طلع اذكى منهم جميعا، واقترح عله بدلا من بيعها بعد اربع سنوات أن يؤجرهم للمرشحين الجدد لآن هذه الشعارات لا تتغير لآنها تفقد الى من يصونها وبحميها