محمد برهومة

إنتاج النخب وتكافؤ الفرص

تم نشره في الجمعة 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

يتصل موضوع إنتاج النخب والكفاءات بشكل عضوي بمسألة تكافؤ الفرص. وتتراجع قيمة تكافؤ الفرص بين المواطنين متى ما تدخلت "السياسة" في تحديد إنتاج النخب، لجهة وضع الولاء قبل الكفاءة، وهذا بدوره يقدّم ضربة قاصمة لفكرة المساواة في حقوق المواطنة ومزاياها. وفي المجتمعات الحية والحرة تتسع أطياف النخب وتتنوع ألوانها بما يعبّر عن تنوع المجتمع ذاته، فيما هي في المجتمعات التي تتصف بالهامشية أمام مركزية دور السلطة في إنتاج المشهد العام، فإنها (أي النخب) تبدو (وبما لا يمثل حقيقتها فعلا) أقرب للون متكرر وتتصف بهامش حركة ضيق ومحدود.

التساؤل حول أزمة إنتاج النخب السياسية وقادة الرأي العام وارتباط ذلك بجوهر فكرة المواطنة، يدفع بالطبع إلى التساؤل عن الهشاشة التي باتت تعانيها البرلمانات العربية عموماً والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني كمحاضن لإنتاج النخب وصناعة القيادات. وقد قدم الأردن حكاية نجاحه على مدى عقود من خلال تلك البراعة التي استطاعت أنْ تعوّض شح الموارد الطبيعية بإنتاج موارد بشرية ذات كفاءة عالية ومدركة لحاجات محيطها المحلي وتحدياته، وقابلة، في الوقت ذاته، للتصدير عربيا وأحيانا إلى أوسع من ذلك. وكانت هذه ميزة تنافسية للأردنيين، وكانت دول الخليج ميدانا مهماً على مدى العقود الماضية لقياس تلك الميزة للكوادر الأردنية في مجالات عدة. والآن كثُر في دول الخليج المنافسون لنا وازدادت الكفاءات من جميع الدول، وأصبح ثمة طلب إقليمي ودولي على استقطاب الكفاءات والنخب.

اختلال معادلة ارتباط تكافؤ الفرص بدينامية إنتاج النخب ولّد انكماشا في الطبقة الوسطى، عَكَسَ، في الحقيقة، خللاً في معادلة السلطة وتوزيع الثروة، لم يجد عوناً له حتى هذه اللحظة من قبل الطبقة البورجوازية والرأسمالية وطبقة الأغنياء ورجال المال والأعمال، فهذه ليس لديها في مجتمعنا مشروع اجتماعي أو "رسالة" لتنمية المجتمع وتحديثه وتطوير بناه الفكرية، ويغيب عنها عموماً بند المسؤولية الاجتماعية لصاحب المال. وفي هذه الأجواء، أصبحت الطبقة الوسطى (أو ما تبقى منها) أكثر شعبوية ومحافظة، وصارت تتبنى أكثر من السابق نموذجاً منغلقاً وخشناً للتدين، وهي البيئة التي تهيئ للخطباء وسدنة الفكر التعبوي والشعارات أن يكونوا هم البديل الشعبي والطرف المقابل لقادة الرأي والنسخ الجديدة من النخب والقيادات ذات الأفضلية في تسلم الموقع الرسمي، مع وجود استثناءات بالطبع تكْسرُ هذا التقسيم الحِدّيّ الرائج. وهذا كله لا ينفصل عن تراجع دور المثقفين التنويري في المجتمع، وفقدان سلطة "الرأسمال المعرفي" الذي يحوزونه. فضلا عن أن توجّه السلطوية العربية نحو "تجفيف منابع السياسة" والعمل العام والتحالف مع مؤسسة دينية محافظة كان المقصود به الطبقة الوسطى، ما يجعل هذه الطبقة لا تنظر إلى نفسها كفاعل مؤثر في الدولة الوطنية، بل تقوم بإدارة شؤونها بعيداً من النخبة السياسية والاقتصادية في بلادها. وقد أشار تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003 إلى أن تقلص حجم الطبقة الوسطى العربية يجعل أمر بناء منظومة المعرفة مهمّة أكثر صعوبة وعسراً؛ وذلك بسبب تراجع الشعور لديها بالأمن المالي والمعيشي، وما ينتابها من هواجس وفقدان ثقة في شأن أهدافها المستقبلية، وكلها موارد للعزلة والاستلاب وتراجع الدافع لتبني الثقافة كمشروع حياتي. وبضعف الطبقة الوسطى أو غيابها في أي مجتمع تغيب الإجماعات الوطنية العريضة، والتوافقات القيمية المشتركة على شكل نظام الحياة (ثقافة واجتماعاً وسياسة واقتصاداً وفنوناً) الذي يسعى المجتمع لإرسائه، إذْ لا حياة طويلة لأيّ نموذج تنمويّ لا تكون الطبقة الوسطى الشريك الأكثر إسهاماً في صناعته وتثبيته مؤسسياً والعمل على حمايته وتطويره.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العمل استنادا للعقل والنزاهه هو الأساس الوحيد للتقدم (د محمد الصفدي)

    الجمعة 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    نسمع بالنخب ولا نرى منها الا القليل وما يؤكدالرؤية هذه وجود الكثير من الأخفاقات في كافة مناحي حياتنا الأجتماعيه والأقتصاديه والمعيشيه وحتى السلوكيه عندما نتعامل مع الأخرين,مع الأخذ بعين الأعتبار ان وجود والعمل على تكوين النخب لأمر غاية الأهميه لأن النخب لا تتكون لوحدها تلقائيا بل تحتاج الى خطط مدروسه بشكل فائق العنايه والتركيز ولأن مسؤولية تقدم الوطن مرتبطه ارتباطا وثيقا بوجود نخب من طراز رفيع ومتميز لأنهم وباختصار الرواد والقاده في كل مجال وحقل,وقديكون الأطلاع على تجارب وايديولوجيات الغير مفيدا في بعضه وليس في مجموعه نظرا لخصوصية كل مجتمع, وتبقى عقلنة الأمور على الدوام هي الأساس فالمصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة ونعم للبناء ولا للهدم ونعم للخير ولا للشر ونعم للعقل ولا للعاطفه ونعم للولاء للوطن ولا للخيانة ابدا وهكذا هو المقياس دوما, ولا يغيب عن الذهن ان ترجمة هذه الأساسيات الى واقع عملي هي مسؤولية سامية ومقدسه تقع على كاهل النخب اولا واخيرا.
  • »لقد أهمل العرب فرصة التعامل بمبدأ الأشتراكية (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الجمعة 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    ان الحل لكل المشاكل والمنغصات التي تكلمت عنها اخي محمد هي تطبيق الأشتراكية العربية التي نادى بها حزب البعث العربي الاشتراكي قبل حرب الردة في دمشق عندما انقضت القيادةالقطرية على القيادة القومية بيدي الزعين والاتاسي ..من قرأ اشتراكية حزب البعث انذاك ، والتي فسرها الأستاذ علي الخصاونة أحسن تفسير لكان علم أن مقدرات الأمة العربية كلها كانت لخير الامة أجمع ما دام هنالك عدلا في توزيع الثروات .وبتوزيع الثروات نقضي على عاملي الفقر والجهل .واذا قضسنا على الجهل والفقر نكون قد سمونا بمجتع فيه قيمة للفرد المواطن ومساواة في توزيع الفرص ..والأشتراكية التي تأتي كتحصيل حاصل كما حدث في مصر وسوريا ، وبدون أن بسبقها عمليات تثقيف للعامل والفلاح ، وتدريبهما على احدث الطرق والتكنولوجيا الحديثة ، وتوفيرها له فهي مخربة اكثر ما هي ناجحة، ونكون قد اسأنا لفكرة الأشتراكية كليا..معظم الدول الأوروبية الأن اصبحت اشتراكية