محمد برهومة

خضوعٌ يقوّي القلب.. ووعيٌ حزينٌ

تم نشره في الخميس 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

يحدثُ كثيراً، على امتداد الكون والحياة، أنْ يرتطم الإنسان بحزن عميق جرّاء فاجعة أو خسارة عظيمة، يفقد فيها جزءا عزيزا من ذاته وقطعة ثمينة من حياته. ويبدو له في خضم "حفلة الحزن" البائسة التي يعيشها، بأنّ كل شيء صار هباءً، وأنه لم يعدْ لديه ما يخسره، بعدما أُحرِقتْ سفنه كافةً، وهجرتْ نافذته العصافيرُ!

لكن ما يثير الدهشة، بعد فترة تكونُ فيها أصواتُ "حفلة الحزن" قد خفتتْ، وهمدتْ نارها، أنّ ثمة شعوراً من السلام الداخلي المعجون بالحكمة يتخلّق من بين أنقاض تلك الحفلة التي لا تُنسى. هو وعيٌ جديد يداهمك، ويُقدّم لك تعويضاً من نوع فريدٍ عن خسارتك التي لا تُعوّض. وعيٌ يمنحك قوةً لا يعود معها "الحزن الكبير" بالوقع نفسه الذي خَبرْته أولّ مرة. ومثل هذا الوعي الذي يقلّم أظافر الحزن الفاجع و "يدجّنه" هو هِبةُ الخسارة" التي تعني تلاشي الخوف الشديد، أو الألم الأول، ومن الرحمة أنْ يتولّد بعد ذاك الألم الشاسع إحساسٌ بالسلام الداخليّ والسكينة والانعتاق التام من أيّ خوف.

بعض الأطباء وعلماء النفس ينصحون الآباء بألا يجنّبوا أبناءهم كلياً مواطن ومواقف الحزن والفواجع والخسارات ( العزاءات والجنازات وعيادة المرضى والجرحى...) من أجل أنْ يعتادوا على معنى أساسيّ في الحياة وهو الفقد والألم والخسارة والتدرّب على التعاطي مع "الحزن" بشيء من التوازن النفسيّ وبإدراك متدرّج لأسئلة الوجود.

أحيانا يعتقد الكثيرون أنهم لا يستطيعون العيش من دون "شيء ما": حبيب، أمّ، صديق ، مدينة..... وما أنْ يبتعدوا عن هذا الشيء، إذا بهم "يَصْفنون" ويسرحون في خيالهم بعد فترة تطول أو تقصر: ماذا حدث لنا؟ ألم نكن نظن أنّ حياتنا معلّقة في ذاك الشيء؟ لماذا ترانا صامدين بعد خسارته؟.

وبعض من لا يتمتعون بمثل هذا الوعي .. الخبرة الصابرة .. الحكمة .. السلام الداخلي .. والتفتح الجديد .. قد يبقون مصابين بالفاجعة والحزن والصدمة سنين طويلة، ولا يجدون للحياة طعما بعدما سُلبوا غاليا أفقدهم معنى ذواتهم أو حياتهم. ويقول عنهم إيكهارت تول في كتابه الجميل "أرض جديدة": إنّ هؤلاء الذين لم يتحلوا باليقظة بعد اختبار خسارة كبيرة يرون أنفسهم كضحايا، سواء ضحايا الظروف او ضحايا أشخاص آخرين أو غير ذلك، وتجدهم يتماهون بقوة مع هذا الشكل العقلي ومع العواطف التي تنشأ عنه سواء أكانت الغضب أو الاستياء او الإشفاق على النفس وما إلى ذلك. ويضيف تول: "كلما حدثتْ خسارة مأساوية إما أنْ تقاوم أو أنْ تستسلم، وبعضهم يصبح مريرا أو شديد الامتعاض، فيما بعضهم الآخر يصبح متعاطفا وحكيما ومحبّاً. فالتسليم يعني القبول الداخلي بما حدث ويجعلك منفتحا على الحياة، أما المقاومة (بشكلها السلبي) فهي تشبّثٌ داخليّ تحس عبره أنّ الكون ليس بجانبك، ربما لأنك أغلقتَ مصاريع النافذة ولم تمكّنْ شعاع الشمس من دخولك". لكن لنعترف أنّ الناس ليسوا سواءً، فمن الحزن ما يدمّر قلوباً ومنه ما يقوّي قلوب آخرين. ويلفتُ إيكهارت إلى معنى مدهش حين يقرِنُ بين الاستسلام الداخلي والخضوع وبين نشوء بُعدٍ جديد من الوعي الذي يتفتح في داخلك، وتحس بأنّ الظروف والناس مصدر عون لك، وتتبدّد (ربما لوقت ما!) مشاعر أنك ضحية وأن العالم يقف ضدك أو يتقصّدك.

ولا أدري من قال "إنّ الحزن يعني انكسار القلب أي جعْله قوياً"، والدعاء الحارّ لصيق الألم والمعاناة. والإبداع لا يتولّد إلا من الألم. والرغبة وحدها، برأي الكاتب النمساوي بيتر هاندكه، لا تكفي لكي نكتب، ويجب أنْ يضاف إليها الأسى أو الإلحاحية أيْ الشعور المأساوي بمشكلاتنا ومشكلات العالم.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحزن طريق السعادة !! (ديمة)

    الخميس 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    انا معك بكل ما طرحته من حالات مواجهة الالم والحزن من خلال القبول والاستسلام أو العودة من جديد الى الحياة ولكن أحب أن أضيف إن قمة السعادة أحيانا يجدها الانسان في ايجاده الطريقة التي يتعاطي بها مع الالم او الحزن أو الصدمة ....وهنا تكمن السعادة الحقيقية
  • »الحزن و السعادة (يوسف العواد)

    الخميس 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    اشكر الكاتب على هذا المقال الانساني المرهف .الحزن و السعادة وجهان لعملة واحدة وهي الحياة و التي لا يمكن ان تستمر الا بهذه الازدواجية و التي تعتبر كالميزان لا بد ان تتوازن كفتاه.لا نملك الا التوكل على الله جلت قدرته والالتجاء اليه.فكثيرا من مقادير الحياة لها اسرار نعجز و نختلف على تفسيرها.نشفق على الغزال الوديع حين يفترسه الاسدالمفترس ولكن التوازن في الطبيعة لا يلتفت الى مشاعر الحزن الفردية لدينا.من بحار الحزن والسعادة في هذا الكون انفجرت قريحة شعوب العالم في صراع في كافة الميادين استخدمت فيها اسلحة الخير و الشر من اجل البقاء وما الحضارة العالمية التي نعيش عليه الا ثمارا لهذا الصراع.
  • »الحزن ما زال رائد البشرية؟ (حسن العمري)

    الخميس 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    أبدعت يا محمد! هل لي أن أتساءل ما هو موقع لحظات الفرح والسرور والبهجة في تشكيل خبرة الإنسان وحكمته؟! لماذا رغم جهود الفلاسفة والأنبياء لإرشاد البشر إلى طريق السعادة ما زال الحزن هو رائد البشرية؟! هل خسارة صديق أو عزيز تحدث موجة حزن عميقةتكسر قلوبنا فتقويها وتمنحها الهدوء والتعقل، فيما لا تمنحنا لحظات الولادة واجتراح تجاب جديدة في العشق مثلا هدوء ً وحكمة؟!
    عزيزي محمد هي تساؤلات على ضفاف فكرتك ليس إلا!.