محمد برهومة

هل دفع أوباما ثمن نخبويته؟

تم نشره في الاثنين 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

عندما قال الرئيس الأميركي باراك أوباما الشهر الماضي إنه لم يُقرر بعدُ إذا ما كان سيرشح نفسه لولاية ثانية... كان وقعُ هذا الكلام مختلفاً فيما لو قيل الآن بعد خسارة حزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

وفي فترة قياسية لم تتجاوز السنتين، خسر أوباما أكثر الهالة والحماسة اللتين اكتسبهما كأول رئيس أسود يحكم الولايات المتحدة. وبعد الضربة التي تلقاها أوباما وحزبه قبل أيام على يد الجمهوريين وحلفائهم من "حزب الشاي"، ستكون الضربة أكثر إيلاما إذا نجح الجمهوريون في مسعاهم الأول حاليا، وهو حرمانه من التجديد لرئاسة ثانية. وصار توصيف أوباما بـ"رئيس لولاية واحدة" ذائعاً اليوم في الأوساط الأميركية.

ولعل من المفيد جدا أن نعود قليلا إلى الوراء لبضعة شهور، لنتذكر ونتأمل من جديد فيما قاله أوباما في حوار مع شبكة "أيه بي سي" في كانون الثاني (يناير) الماضي، الذي كان مفاده: "أفضّل أنْ أكون رئيساً جيداً لفترة واحدة على أنْ أكون رئيساً دون المتوسط لفترتين". والسؤال هنا: ماذا تبقى من تصريح أوباما هذا بعد أنْ قال الناخبون الأميركيون في رسالتهم الانتخابية قبل أيام "إنهم لا يرون أنه رئيس جيّد بما يكفي حتى الآن"؟.

وقد كان أوباما أشار في حواره الآنف الذكر إلى أنه "ليس من المحتّم أنْ يترشّح كل رئيس للولايات المتحدة لفترة ثانية".

وقد لفت الكاتب الأميركي الشهير ديفيد إغناتيوس في مقال له في "واشنطن بوست" (22/8/2010) إلى أن أوباما "لا يفضّل الحماسة الزائدة، وإنما العمل بهدوء ورويّة، وأنّ أوباما حقاً لا يهتمّ بإعادة انتخابه طالما يفعل ما يعتقد أنه صواب"، حتى لو كان ذلك بعيدا عن السياسة. ولفتَ إغناتيوس إلى أنه "لكي تكون هناك فرصة لأوباما في انتخابات العام 2012، فهو بحاجة إلى من يدفعه: شخص "يتعاطى" السياسة بشراسة ويجلب ناخبين جدداً". ولعلنا نتساءل هنا فيما إذا كان أوباما وحزبه بحاجة إلى حركة مثل "حزب الشاي" قادرة على التعبئة والتجييش وحشد الجماهير وكسر حدة النخبوية التي يتمتع بها أوباما بامتياز؟. هل يحتاج أوباما إلى بعضٍ من مرض "الشعبوية" التي أتقنها الجمهوريون في الحملة الأخيرة بمساندة قوية وشرسة من "حزب الشاي"؟. هل كان على أوباما أن يدرك بأن بعض خصائص هذه "الشعبوية" قصر النفَس وعدم الصبر وتقلّب المزاج وعشق الإنجازات السريعة؟. ورغم أنه من غير المتوقع أنْ يتخلى أوباما عن الترشح لإعادة انتخابه العام 2012 (وهو ما أكده أوباما بالفعل بعد الانتخابات الأخيرة من أنه أخذ الدرس وسيحسن أوضاعه قبل حملة انتخابه لولاية ثانية العام 2012)، فإن "أوباما ربما يعدّ حساباته للعب دور في فترة ما بعد الرئاسة كمفكر عالمي في عالم ما بعد الولايات المتحدة"، كما قالت صحيفة "التلغراف".

وحين انتقد أوباما الجمهوريين قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي، كان أبرز ما وصف به خطاب الجمهوريين قوله إنه "خطاب انفعاليّ". وأضاف: "ليس مفاجئاً أنْ نرى خطابا انفعاليا قبيل الانتخابات، فهذه هي السياسة". وهو كلام يقترب إلى درجة ما من ذمّ السياسة، وهو حديث قد يفسّر جزءا من أسباب خسارة أوباما وحزبه في الانتخابات الأخيرة، والمقصود هنا: التبرم باللعبة الانتخابية والسياسية وما تتضمنه من تجييش وحشد وانفعالات وحملات إعلامية ومبالغات تنطوي على التنميط والكذب والعلاقات العامة، وهو ما فشل فيه أوباما في الأسابيع التي سبقت الانتخابات الأخيرة، رغم قدرته العالية على مخاطبة الرأي العام، وهي كاريزما ظهرت بوضوح لدى أوباما - المرشح للرئاسة، وضعفت عند أوباما الرئيس في الأشهر الأخيرة، وهذا معنى تصريحه بعد الانتخابات بأنه ركّز على التشريعات وأخفق في حشد الأميركيين وراء مبادراته.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق