علاء الدين أبو زينة

"المقاومة" و"العنف".. الرد كتابة..!

تم نشره في الاثنين 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2010. 03:00 صباحاً

لن أملّ من تكرار التنبيه إلى خطورة "الخطاب"، لأن الخطاب هو أعقد مكونات العالم المعاصر، وأسوأ مشاكلنا نحن بشكل خاص. ولم يكن الخطاب يوماً قليل الأهمية، لكنّ وسائل الاتصال الحديثة وسبل النشر والدعاية رفعته فعلاً لتضعه فوق كل وسائط الهيمنة، ومقدمة لا غنى عنها للاستعمار الحديث. والخطاب أكثر كوابيسنا رعباً في العالم العربي بشكل خاص، لأننا لا ننتج الخطاب وإنما نستهلكه فقط، ومن دون تأهيل عقلنا لتفكيكه وتأويله وقراءة طبقاته.. وبهذا، يقتصر دورنا فقط على استهلاك الخطاب المصنوع في الغرب بعناية، ونشتري تأويله معه، ثم نقوم باعتناقه وترديده على أنه خطابنا الخاص، حتى لو كان متعارضاً تماماً مع ما نعرفه تماماً على أنه الحقيقة.. والآن لا يبدو أن هناك مكاناً يمكن تتغطى فيه الشمس بغربال، ويصبح فيه الأبيض أسود بكل هذا الصلف، مثلما هو لدينا..!

لن تتيح لي المساحة الخوض في كل تعريفات "الخطاب" النظرية، لكنه يكفي التعريج على مقولات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، أبرز من تحدث في هذا الإطار. ويتحدث فوكو بشكل خاص عن الكيفية التي تتمكن فيها بعض أنظمة الخطاب من تكوين بنية من الدلالات والمعنى، وتعمل على تكريسها وتسبغ عليها صفة القداسة، بحيث تصبح المكافئ الموضوعي للحقيقة المطلقة، وبحيث تتحكم هذه الدلالات والمعاني بالطريقة التي نعرف بها أنفسنا ووجودنا الاجتماعي، في الوقت الذي يجري فيه تهميش أي خطاب مخالف أو بديل وإخضاعه.

بغض النظر عن منظومات خطابنا الاجتماعي المصادر لصالح الخطاب المهيمن، أود التركيز بالذات على الخطاب السياسي -مع عدم وجود فاصل حقيقي بين الخطابين- وخطورته في ترتيب العالم.. وأذكر العناوين التي سوغت بها الإمبريالية غزواتها في القرن 19: "التنوير" و"عبء الرجل الأبيض" الذي يهدل الحضارة لـ"الهمجيين". وأنصح باستشارة رواية الكاتب الإنجليزي-البولندي جوزيف كونراد "قلب الظلام" التي يصف فيها كيف عمل خطاب الاستعمار الهادف إلى نهب عاج الكونغو على تأليه فكرة الغزو، بوصفه مهمة إلهية مقدسة يؤديها البيض من غير رضا. ثم أقارن ذلك باستعمار العراق الجديد من أجل البترول والمصالح الغربية، تحت عناوين "الدمقرطة" و"التحرير"، وهي التوصيفات الجديدة للمهمة "المقدسة".. وفي إطار التحايل على المعاني والدلالات، أصبحت المقاومة "عنفاً" و"تمرداً"، وأصبح الغزاة "محرِّرين".. أما أسوأ ما في الأمر، فهو استخدامنا هذه الدلالات بنفس المعنى المفروض علينا من فوق، ومن دون وعي بخطورة ذلك.

ولعل أوضح مثال على الصفة الاستطرادية والتغير في معاني الخطاب، كما وصفها فوكو، هو ما يحدث في المسألة الفلسطينية. ونحن نتحدث اليوم، مع الغرب، عن معسكر العنف والتطرف في فلسطين. وهناك، تم ربط "التطرف" بالدين وأصبح أيديولوجيا، ثم أصبح مفهوم "التطرف" مكافئاً للـ"عنف". ثم جرى تعميم معنى "العنف" في نهاية المطاف ليشمل أي "مقاومة" تمارس ضد الاحتلال (إذا استثنينا العمليات المثيرة للجدل ضد المدنيين من المحتلين). وفي المقابل، يجري وصف العنف الإسرائيلي الحقيقي المتجسد واقعاً بالطرد والإقصاء والقتل، بأنه "دفاع عن النفس"، ويشتري العالم ذلك ببساطة. وأعتقد بأنه آن لنا أن نتصدى "للرد كتابة"، بتعبير بيل أشكروفت، على كل هذا التحريف.

يقول فوكو إن "الرغبة في تكريس الحقيقة" هي النظام الأساسي للإقصاء، وهي التي تشكل الخطاب، وتنزع إلى "ممارسة نوع من الضغط وشيء يشبه ممارسة سلطة قوامها فرض الاشتراطات والمحددات على أنظمة الخطاب الأخرى". والمشكلة أننا نشارك في تكريس حقيقة "الآخر" بتكرارها، بحيث نتآمر نحن ضد أنفسنا وقضايانا.. وأختم بقصة من "كليلة ودمنه" أظن بأن فيها كل الدلالة:

"زعموا أن ناسكاً اشترى تيساً ضخماً ليجعله قرباناً، فانطلق به يقوده، فبصر به قومٌ مكَرَةٌ فأتمروا ليخدعوه عنه، فعرض له أحدهم فقال له: أيها الناسك، ما هذا الكلب معك؟ ثم عرض له آخر فقال: إني لأظن أن هذا الرجل الذي عليه لباس النساك ليس بناسك، فإن الناسك لا يقود الكلاب. ثم عرض له آخر فسأله: أنت تريد الصيد بهذا الكلب؟ فلما قالوا له ذلك لم يشك أن الذي معه كلب، فقال في نفسه: "لعل الذي باعني إياه سحرني وخدعني". فخلى عنه، فأخذه النفر فذبحوه واقتسموه".

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »WHAT WRONG (ME)

    الاثنين 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    WHY DID DR.ABDULLAH AL AQRORQ ATTACK MR.ALLA ARTICLES, THE PREVIOUS ONE WHEN HE HAD ATTACK ON THE ARTICLE ABOUT THE TRANSLATION, I BELIEVE SO MUCH IN MR ALAA MENTALITY AND MOST OF HIS WRITING, PLEASE BE FAIR AND LOGIC DR ABDULLAH
  • »الأخ الفاضل علاء الدين (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الاثنين 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    الاخ الفاضل علاء الدين
    اشكرك من صميم قلبي على ردك ا الحضاري جدا ..فأن دل هذا على شيء فانه يدل على اخلاقك النبيلة .وأعتذر بشدة أن كنت قد ازعجتك بتعليقي ,,استشهادي بالمعلم الكبير ابن خلدون هو أنه عبرعما ما نعانيه اليوم..وصدقيني يا اخي الكريم انه ليس بتجريح لا سمح الله بل لفت
  • »تعليق أم تجريح شخصي؟! (علاء الدين أبو زينة)

    الاثنين 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    سيدي د. عقروق.. تعجبني مثابرتك على التعليق على مقالات الغد.. ولا أريد أن أبدو في موقف الدفاع، لكنني أعاتبك على زعمك بأنني وغيري ممن يكتبون نريد أن نقنعك بشيء عن ثقافتنا؟! جميل جداً أن يقرأ الإنسان للآخرين وأن يعرف ما يقولون، بالإضافة طبعاً إلى ما تنتجه ثقافته.. وألفت إلى أنني استشهدت في مقالتي بالكاتب عبدالله بن المقفع أيضاً، وهو كاتب مسلم، فلماذا ابن خلدون بالذات يا سيدي؟ ومتى كتب هو أو غيره من العرب في نظرية "الخطاب"الذي هو مبحث غربي صرف؟ وماعلاقته بموضوع مقالتي؟؟.! أهنئك على قراءتك ابن خلدون وأرجو أن يكون هدفك من التعليق بهذه الطريقة شيئاً غير مجرد الإهانة الشخصية.. ودمت.
  • »مقدمة ابن خلدون تحكي عن وضعنا المزري (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الاثنين 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    لقد اعتاد كتابنا الاشاوس ان يلتقطوا من هنا وهناك بعض الحكم لمؤلفين غربين يريدون ان يقنعونا انهم مثقفون لا يقرأون الآ لفلاسفة وكتاب غربين او اسيوين.ونراهم يدحشون ما قاله الفيلسوف الاجنبي دحشا ليعبرون انهم بقرأون ..لم أجد أحدا يستشهد لكتاب عرب مسلمين ، وعددهم بالألوف .الكاتب الفصيح هو الذي يقرأ ادبيات قومه ليعرضها للناس ..لم أجد كاتبا واحدا استشهد بالمعلم الكبير ابن خلدون ، ومقدمته والتي كتبها من قرون ليست بالبعيدة ، وكأنه يتنبأ عن مصيرنا العرب اليوم ، وعن حالنا ، وعن تفشي الأمراض الاجتماعية كأنه يعيش بيننا ..أنصح الجميع أن يعيدوا قراءة مقدمة ابن خلدون ..فكما ةقال البرزاني ان اردت أن تعرف ما يدور في بلدك فاعرف ما قاله العلامة الاول بين الغرب والشرق ابن خلدون
  • »صباحك سكر (ملك)

    الاثنين 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    عندما عدت لمطالعه كتاب كليله ودمنه من شهر مضى لاحظت ان كثيرا من حكاياته تنطبق على ما يحصل في ايامنا هذه ..قد يكون ابن المقفع ذو نظره ثاقبه لدرجه انه تنبئ بان حكاياته ستنقلب ذات يوم الى واقع مرير..ساضع المقاله على حده الى جانب كل مقالاتك الرائعه السايقه فلا تعليق لدي الا سلمت اناملك..لكني اريد التعليق على مدى الثقافه الواسعه التي تتمتع بها سيدي لتتحفنا بحق كل مره بمقاله متكامله...كل احترامي لشخصك الكريم..دمت متالقا ودام المسك والعنبر يفوحان من قلمك في كل حرف تخطه...ملك
  • »لغة الخطاب العربي والغربي (غادة شحادة)

    الاثنين 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2010.
    من الطبيعي ان يبدع العرب في فن الخطاب فهو من الفنون اللغوية التي اشتهر بها العرب منذ الازل فاصبحت صفة ملازمة لهم واكبر دليل على ذلك الخطابات السياسية والتي لا اجد فرصة لتسجيل اعجابي بها خاصة لو صدرت من مسؤول عربي فهمي منمقة الفاظها قوية تراكيبها متقنة وتشعرك بفخر كبير وتاخذك الاحلام على واقع افضل وعند نهايته تستيقظ من الحلم الجميل الذي كنت تحلم به على كابوس مريع لتكتشف انك لم تفهم شيئا مما قال وتركك كالاصم الابكم تعيد النظر في قدراتك العقلية والسمعية فلا تدري في اي جزء من خطابه غفوت لتفوتك الفكرة من خطابه اصلا
    كذلك الامر بالنسبة لتحويرات الخطابات فحدث ولا حرج وهذه صفة خطابية يبدع فيها الغرب فترى خطاباتهم تلف وتدور وتنحني وتنثني لتبين ان الاسلام سبب التخلف والمشاكل والانهيارات السياسية في اي مكان والمشكلة اننا العرب نقتنع بهذه الفرضية اكثر من غيرنا بل ونساعد على تحويلها ليس الى فرضية انما الى مسلمة صحيحة لا شك فيها