علاء الدين أبو زينة

خبز مغمَّس بالفضيحة

تم نشره في الاثنين 25 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

نشر موقع مجلة "ديرشبيغل" الألمانية مؤخراً قصة إخبارية بعنوان: "أجر مضاعف للخيانة: الفلسطينيون الذين يبنون مستوطنات إسرائيل"... وقبل أيام من ذلك، استدعى حديث ذكريات اسمَي فلسطينيَّين كانا يقدمان برنامجين دعائيين -باللهجة الفلاحية- في إذاعة العدو بعد حرب 67.

وقبل ذلك بفترة، وقعتُ على تحقيق كبير الحجم باللغة الإنجليزية عن تاريخ عملاء الاحتلال في فلسطين.. وقد خجلت من ترجمته، وتعاميت عنه، بل وتهربت من قراءته.. كان ثمة صوت يقول: "ليس كل ما يُعرف يقال".. ومن الناحية الأخرى، كان صوت له منطقه يفحُّ بشيء من الشماتة: "لكن إغماض العيون عن الشيء لا يجعله غير موجود، وإنما يجعل المرء، ببساطة، أحمقَ مِنْ نَعامة".. وإذا سكتنا نحن، تطوع الآخرون بنشر غسيلنا القذر باللغات الحية جميعاً، مهما جهدنا في كنس قمامتنا تحت السجادة.. فلماذا إضافة السكوت إلى التعامي؟!

والحديث غير محبّب، والخوض فيه أشبه بمضغ اللحم العطِن، لكنه يبقى أحد متعلقات العنوان الأبرز في المسألة الفلسطينية اليوم: المستعمرات الصهيونية.. وربما لم يكن من باب المصادفة البريئة أن تتناول المجلة الألمانية هذا الموضوع في هذا الوقت، وتعنونه بالطريقة الماكرة التي أطلقت بها الحكم على سلوك شريحة من الفلسطينيين: (خيانة، وإنّما بأجر مضاعف).. وبطبيعة الحال، احتمى كاتب التقرير بالحياد الصحافي، فسرد قصة عامل بلاط فلسطيني ذكره بالاسم: هيثم عصفور.. ويقول هذا العصفور متحدثاً عن عمله في تبليط المستعمرات: "أنا طبعاً أكره عملي. ولكن، ماذا أستطيع أن أفعل؟ إنني مجبر على خيانة فلسطين". ثم يتدخل معد القصة، فيكتب: "ويقوم عصفور ببناء العقبات التي تقف الآن في طريق إحلال السلام في الشرق الأوسط".

وإذن، فهو عصفور، وحوالي 25 ألف فلسطيني ممن يعملون في إنشاء المستعمرات، كما يقول التقرير، هم الذين يبنون "العقبات في طريق السلام".. وهكذا، يكون الفلسطيني المقاوم الذي يرفض التعامل مع المحتلين عدواً للسلام، والفلسطيني المتواطئ مع العدو أيضاً مشارك في إعاقة السلام.. ولا يسرد التقرير القصة من أولها أيضاً، فيذكر السبب في وضع بعض الفلسطينيين أمام هذا الخيار الصعب بين الجوع والخيانة.. ولو كان هؤلاء الذين "يبنون العقبات في وجه السلام" مثل باقي خلق الله أحراراً في وطنهم، لكانوا عملوا في بنائه، وما كانوا ليواجهوا احتمال الانحدار إلى هذا الانتحار بقتل ضمائهم بأيديهم.

يقول تقرير شبيغل: "يلقي عصفور باللوم في قلة وجود عمل بأجر الجيد على غياب حكومة تدير الدولة في فلسطين، لكن أحد أسباب غياب الدولة هو استمرار مستوطنات جديدة في الظهور - بما فيها تلك التي يساعد عصفور على بنائها".. ويقول عصفور: "ماذا أستطيع أن أفعل إذن.. إنني أدعم فلسطين كلما استطعت، لكن فلسطين لا تدعمني". ويقول التقرير إن عصفور يتقاضى عن يوم العمل في القرى الفلسطينية مبلغ 40 يورو، بينما يقبض من المستوطنين مبلغ 80 يورو، ويتقاضى البليط "الإسرائيلي" مبلغ 160 يورو عن العمل نفسه.

بطبيعة الحال، يثير تبرير عصفور السؤال عن الوجهة التي تذهب إليها أموال المانحين التي تتسلمها السلطة.. ويفترض، حسب التقارير التي نقرؤها عن خطط الإنعاش الاقتصادي في الضفة، أن يتوفر للفلسطينيين قدر من الدخل الذي يكفيهم مؤونة السؤال أو العمل للعدو. لكن هناك الكثير من الحديث أيضاً عن الفساد واستئثار البعض بالامتيازات.. ومع ذلك، يبقى مبلغ 40 يورو في اليوم كافياً لأن لا يخون المرء نفسه بأربعين أخرى.

وليس ثمة عذراً لهؤلاء ولا لأولئك.. إن السلطة لا تعني سرقة مواطنيك، كما أن الفقر لا يبرر بيع الشخص نفسه ومواطنيه والأكل بثدييه. ولم يمت الفقراء الفلسطينيون من الجوع مع كل النكبات، وظلوا يجترحون سبل تدبر عيشهم بالخبز القليل، كما يفعلون في غزة المحاصرة.. ومثل كل شيء في التقرير الماكر، تأتي ذريعة عصفور المتهافتة: "لا أريد لابني أن يعيش حياته راكعاً على ركبتيه كما فعلت"..!

لقد وصف "عصفور ديرشبيغل" الفلسطيني هذا عمله مع المحتلين بأنه خيانة بأجر. ولا شك بأنه كذلك، وبأن الخبز القادم منه يبقى مغمساً بالفضيحة.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مأساة (عمر حزين)

    الاثنين 25 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    المشكلة هنا هي اننا لا نستطيع شرح المعاناة التي يعانيها العامل الفلسطيني للقارئ الألماني و الاروبي عموما.
    ما أكثر مثل هذه المقالات و المراسلات التي تظهر شعبنا المناضل على انه مأجور.
    دائما ما تكون وجهة نظر أو رأي المراسل مقلوب رأسا على عقب ( بالنسبة لنا العرب) و هم كذلك لأنهم يعرفون أنهم يجب أن يكتبوا ما هو مثير و سلبي للفلسطينيين لكي يتكون رأي عام أوروبي يدين الفلسطيني حتى وهو يعاني للأسف. علينا أن نعرف أن قلة تكتب ما يمليه ضميرها عليها و الاكثرية تكتب مايريده رئيس التحرير الذي يكون، عادة، قريب من أشباهه الذين يمسكون بتلابيب الصحافة في أروبا.
    المقال جميل مع كل ما سبق و ذكر.
  • »ماساة شعب (غادة شحادة)

    الاثنين 25 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    الحديث عن العاملين في الاراضي الاسرائيلية يثير الشجون فبالنسبة للعامل البسيط هو امام امران احلاهم مر ولربما ينتقد لكونه يخدم في اراضي العدو واي كلام في هذا الموضوع يعتبر صفصطة ولا داعي له اذ ليس من المعقول نحن الجالسون في بيوتنا ونعمل في امن في ظل حكومتنا ننتقد اولائك الذين يغمسون خبزهم بالدم والقهر والذل والمرار لا تنتقدوهم فهم كبالع الموس على الحدين واينما تحرك فهو الخاسر لن ننظر ونقول عليهم رفض الرزق القادم من ارض العدو والتزموا مع قضيتكم والزموا واجبكم تجاه بلدكم هذا صحيح لكن اغلب الظن انهم يموتون في اليوم الف مرة لانهم يضطرون الى مكابدة رؤية اعدائهم بل ويؤودون لهم اعمالا وقد يخدمونهم اما بالنسبة لخيانتهم المأجورة فاجعلوها تقف في صف الخيانات المتلاحقة والتي تدق الطبول على راس الشعب الفلسطيني الابي
  • »I Agree with Dr. Abdulla (khaled)

    الاثنين 25 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    I think it is time we insist on opening the door to the simple question :Where did all the money to PLO and PNA go all these years ? Do not blame only the labourers : What about those making millions and stealing all the money of the palestinians ?
  • »عمالة بالاقتصاد الجائع (حمدان حمدان)

    الاثنين 25 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    حدثني صديق لي يسكن الضفة الغربية ردا على سؤال طرحنه عليه , قال لي قبل حزيران 67 العامل بكد من طلوع الشمس الى مغيبها على أجرة يومية لا تزيد عن خمس عشرة قرشا هذا العامل المجنهد وبدون الجمع فأن مجموع ما بتقاضاه العامل خمسة دنانير شهريا , وبعد احتلال الضفة وفتح المجال للعمل في اراضي 48 بدأ العامل يتقاضى أجرة شهرية 150 دينار وفي ذلك الوقت هذا الميلغ كبير جدا بالتسبة الى الخمسة دنانير ومقدار المعيشة انذاك .
    ومن هنا اوافق الكاتب اولا والصحيفة الالمانية ثانيا على ما آلت اليه من هذا الموضوع الحساس وخاصة المقال (خبز مغمس بالفضيخة ) للكاتب علاء ابو زينة , وأضيف , ان العمالة لا تأتي من فراغ للمجتمع , مجتمع يعيش في فقر وفجأة في بحبوحة وأي بحبوحة انها بخبوحة العمالة و الخيانة , الاحتلال رفع معيشة المواطن ثلاثين ضعفا لا لسواد عيونه وانما لتمرير مخطط تجنيد اكبر قدر ممكن من الشعب للتعامل مع الاحتلال , فمنهم من جند فعليا ومنهم من يقول ابقى تحت حكم الاحتلال وفي بحبوحة العبش ( الكريم ) , حتى وصل الأمر بجيش من العملاء من سنة الاحتلال الى قيام الانتفاضة الاولى , ومن هنا عرف الاحتلال كبف تؤكل الكنف بواسطة المال يتم تجنيد الشيطان لصالح من يملك المال .
    هذا ليس تجني على احد وانما الحقيقة المرة الظاهرة الآن في الضفة وغزة , ومتواجدة بين صفوف المقاومة والشعب على حد سواء .
  • »لصوص الشعب الفلسطيني برخص لتؤهلم ان يكونوا من اغنى اغنياء العالم (د. عبدالله عقروق ..عمان مؤقتا)

    الاثنين 25 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    كنت اتمنى من الاستاذ علاء الدين لو ذكر لنا الترلينات التي دخلت لفسلطين منذ 48 يليها قائمة توضح الصرفيات ..لقد دخلت الخزينة الفلسطينية ما بامكانه اقامة اكبر المصانع والاستثمارات الاخرى لاستيعاب عدد هؤلاةء الذين يبنون المستعمرات ..فقط بحوزة زوجة الرئيس ابو عمار ، وأمها ، وبقية افراد عائلتها ما يكفي لدفع اضعاب ما تدفعه الحكومة الاسرائلية للعمال القلسطينين ..وما دخل في جيوب السلطة ورجالها من فلوس الايتام والارامل والعجزة كان يمكن ان يفتح لا يقل عن خمسين مصنعا يشغل به كل الشعب الفلسطين في الاراضي المحتله..ان بعض اسماء اصحاب الدكاكين من رجال السلطة وفتح اصبحنا نجدها ضمن قوائم اثرياء العالم ..أنلوم الآن العامل عصفور ليجد صيده ليطعم صغاره ، ويضعهم في المدارس ؟لا تكونوا يا كتابنا العرب نعامات القرن الواحد والعشرين أكتبوا عن تسربات المساعدات الفلسطينية ، ومن حصل معها
  • »خبز مغمس بوصمه عار ابديه (ملك)

    الاثنين 25 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    هو خبز مغمس بالدم..بطعم خيانه لن يشعر بها اصحابها الا بعد حين.. ان لعصفور حجه قد تكون واهيه لكنه يريد اقفال افواه عائله جائعه لن يسد رمقها عمل باجر فلطيني خالص.. ورغم ذلك يستشعر طعم الخيانه.. لكن ماذا نقول لبعض شباب الوطن الجواسيس الذين لا يملكون حس لالم او خزي و عار بان ينقلو كل اخبار الوطن واخبار ابناءه الاحرار وقياداته للعدو الصهيوني وفي اخر المتمه اما يتخلص منهم العدو واما ان تجد جثته مرميه على سفح جبل بعد ان عرف اصحابه واهله انه جاسوس فتخلصو منه بطريقه ما ..ولن ننسى صوره الام التي داست رقبه ابنها بعد موته لمعرفتها انه جاسوس...خيانه الوطن عااار لن يمحى وخبز الخيانه سرطان سيمشي ببطئ داخل جسد الخائن ومن معه حتى يميتهم وان كانو لا يزالون احياء يرزقون...رااائع انت ..في كل مقاله لك تزهر ورده على ثوب فلسطين..رغم الالم الا انك تعطيني فسحه امل ان الغد سيكون اجمل...ملك