عيسى الشعيبي

روافع النجاح الفردي ومحذوراته

تم نشره في الجمعة 15 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

لا يكتسب المرء عضوية اجتماعية مرموقة، ولا ينال الاعتراف بجدارته الشخصية إلا من خلال انتسابه إلى عضوية مجتمع أصغر، كأن يكون ذلك تجمعاً مهنياً أو مؤسسة عامة أو شركة خاصة، الأمر الذي يضيء، على هامش هذه المسألة، الجانب الخفي المعتم من وضعية المعاناة التي يتعرض لها العاطلون عن العمل، ليس فقط جراء الحرمان المادي على أهميته، وإنما كذلك بفعل التهميش الاجتماعي الناجم عن الافتقار إلى إطار اجتماعي منظم.

وبنظرة سريعة إلى نماذج إنسانية ناجحة، نعرف أصحابها عن قرب أو نسمع بهم من الغير، نجد أنه كلما حقق عضو ناجح في المجتمع مكانة أرفع في بيئته الأصغر، حاز على اعتراف أوسع من جانب مجتمعه الأكبر، وبالتالي فإن مثقفاً أو باحثاً أو فناناً لن يتمكن من تحقيق شهرة عابرة للحدود والشعوب والقوميات، إلا عندما ينال اعتماداً بالجدارة أو التفوق من جانب مجتمعه الخاص، قبل أن يرتقي في محيطه الاجتماعي الضيق، سنام المرتبة المحلية المشهودة لها.

وفي المجتمعات المتحضرة لم يعد الانتساب إلى قبيلة بعينها، عرفت في السابق بالشجاعة أو الكرم، سبيلاً فردياً إلى نيل عضوية اجتماعية كاملة. كما أن حيازة رأس المال في المجتمعات الحديثة، أي الأموال المكتنزة أو المودعة، وتلك التي لا توظف في أصول منتجة، لا تشكل أيضاً رافعة منزلة اجتماعية رفيعة لأصحابها، مهما تكدست لديهم الثروات، وأشبعوا عندهم طلبات الاستهلاك الحبيسة.

غير أن العلم، أو المرتبة العلمية المقرونة بالفطنة، فضلا عن التميز في حقول الإبداع المختلفة، تستطيع في مجتمعاتنا المعاصرة، تحقيق ما يعجز عن تحقيقه كل من المال أو النسب. فالعالم أو الكاتب أو المثقف يكسب بفضل علمه أو إبداعاته جاهاً اجتماعياً واحتراماً من وسطه الاجتماعي، وفضلاً عن ذلك النفوذ والشهرة، أكثر بكثير من رجل يكتنز مالاً وفيراً، وآخر ينحدر من نسب قبلي كان بمثابة جواز مرور اجتماعي في السابق.

ومع ذلك كله فإن المنزلة التي يحققها شخص في مجتمعه، ليست دائماً فعل يدين عاريتين، وإنما هي على الأرجح خلاصة وضع أشمل يتضافر على إنتاجه أعضاء المجتمعات والمؤسسات الصغيرة، الأمر الذي يتطلب من الناجح إعادة الفضل دائماً إلى أهله، ورد الاستحقاق الاجتماعي إلى نصابه، خصوصاً من جانب ذلك النفر الذي كثيراً ما يدعي أنه صنع نفسه بنفسه، ويزعم أن المكافأة المعنوية من نصيبه وحده، متعالياً على حقيقة أنه من دون تلك الروافع المؤسسية الصغيرة، وتلك الأطر الاجتماعية الضيقة، ما كان له أن يمسك بزمام النجاح أصلاً، ولا أن يعقد لواءه أساساً.

ومن دون إغماط أحد حقه في التمتع بثمرات الجهد والجد والمثابرة، فإن على كل ناجح في عمله، أو متفوق في بيئته أو مشهود له على رأس عمله، أن يرد لكل ذي حق حقه، أكان نظاماً مؤسسياً أو ممولاً أو رب عمل أكبر، وإلا وقع المرء في فخاخ النرجسية ومظنة ادعاء قصب السبق، وسوءة الاستحواذ على كل عائد، فضلا عن استدعاء عواقب تصغير شأن من حوله، واستدراج تداعيات تهميش كل مساهمة من أي نوع في تحقيق نجاحه، بما في ذلك جلب مزيد من المتاعب والغيرة والصعاب التي قد تتراكم على الطريق المؤدي إلى نجاحات مستقبلية أكبر.

Issa.alshuibi@alghad.jo 

التعليق