عشر سنوات بعد سقوط ميلوشيفيتش

تم نشره في الجمعة 15 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

تمرّ في هذه الايام الذكرى العاشرة لسقوط ميلوشيفيتش التي توحي للوهلة الاولى أن ما مرّ أكثر بكثير من عشر سنوات.

وقد تغيرت صربيا في هذه السنوات الى حد لا يصدق فيه المرء أنها البلد الذي أنجب ميلوشيفيتش وانساق وراءه بحماس لا يوصف الى أن وجد نفسه على حافة الهاوية. وبعبارة أخرى كيف يمكن لبلد أن يصدق أنه يسير وراء "منقذ" و"بطل قومي" ثم يقبل بعد سنوات بتسليمه كـ"مجرم حرب" الى محكمة جرائم الحرب في لاهاي؟

لقد صعد ميلوشيفيتش بسرعة من بين الصفوف الخلفية للحزب الشيوعي الصربي في 1986 ليركب الموجة القومية الصربية المطالبة بمراجعة يوغسلافيا التيتوية و"توحيد الصرب". ومع تخلّصه من المعارضين له في قيادة الحزب الشيوعي في صربيا وسيطرته على وسائل الاعلام تحول ميلوشيفيتش بسرعة الى "منقذ" للصرب من "المؤامرات" التي كانت تحاك ضدهم في "يوغسلافيا التيتوية"، بل إنه تحول الى "معبود الصرب".

يكفي هنا للتدليل على ذلك ان ميلوشيفيتش قد جمع في 28 حزيران 1989 حوالي مليون صربي في سهل كوسوفا قرب بريشتينا للاحتفال بـ"توحيد صربيا" الذي تم بإلغاء الحكم الذاتي الواسع الذي كانت تتمتع به كوسوفا في يوغسلافيا التيتوية. ولكن شهوة ميلوشيفيتش للمزيد من "توحيد الصرب" أفزعت قيادات الجمهوريات الاخرى في يوغسلافيا ودفعت بهم الى اعلان الانفصال عن يوغسلافيا مما قاد الى سلسلة من الحروب والمآسي.

في ربيع 1999 خاض ميلوشيفيتش آخر حروبه باسم الدفاع عن صربيا ومابقي من يوغسلافيا، لكن هزيمته العسكرية هذه المرة في حزيران 1999 فسحت المجال أكثر أمام المعارضة الداخلية لترفع صوتها و لتتحد بمناسبة اقتراب الانتخابات الرئاسية في ايلول 2000. وفي هذه الانتخابات كان خطأ ميلوشيفيتش الاخير بتزوير الانتخابات ليسقط خصمه فويسلاف كوشتونيتسا، حيث اضطر مع تصاعد المعارضة في الشوارع الى الاعتراف بفوز خصمه في تشرين الاول 2000.

ومع تشكّل أول حكومة ديموقراطية في بلغراد لم تتوان في 2002عن تسليم ميلوشيفيتش الى محكمة جرائم الحرب في لاهاي ليحاكم على ما ارتكبه من جرائم بحق الانسانية. ومع أن ميلوشيفيتش حاول بحركات مسرحية أن يستثير مشاعر أنصاره خلال المحاكمة الا أنه بموته في الزنزانة تراجعت بسرعة "شعبية" حزبه بعد الكشف عن سلسلة من الفضائح المالية التي تورطت فيها أسرته والاغتيالات السياسية للخصوم التي دبرتها أجهزته الامنية (ايفان ستامبوليتش وزوران جينجيتش الخ).

ومع استقلال الجبل الاسود عن صربيا في 2006 واستقلال كوسوفا في 2008 أعطت الحكومة الصربية الجديدة الافضلية لـ"الخيار الاوروبي" الذي يعني هنا الانضمام في أسرع وقت للاتحاد الاوروبي. ومن المفارقة أن "الحزب الاشتراكي الصربي" الذي كان يرأسه ميلوشيفيتش قد انضم الى الحكومة الائتلافية بعد المراجعة السياسية التي قامت بها القيادة الجديدة، والتي شكّلت قطيعة مع الايديولوجية المعادية للغرب التي نمّاها ميلوشيفيتش خلال وجوده في السلطة.

وهكذا تأمل صربيا الآن مع الذكرى العاشرة لسقوط ميلوشيفيتش أن تحظى بالحصول على وضعية "دولة مرشحة" للاتحاد الاوربي بعد أن كافأها الاتحاد الاوروبي في نهاية 2009 بضمها الى قائمة الشنغن، مما يعني خروج الصرب من عزلتهم وحرية السفر في دول الاتحاد الاوربي الذي يأملون قريبا أن يكونوا ضمن دوله.

ولا أدل على ما تغير في صربيا بهذه المناسبة من استطلاع الرأي الاخير في صربيا الذي كشف عن أن 6 % من الصرب يعتقدون أن حياتهم كانت أفضل في عهد ميلوشيفيتش. ومن الطبيعي أن يكون هناك بين الصرب من استفاد أكثر ومن عاش بشكل أفضل في ذلك العهد، ولكن صاحب العهد لم يعد "المنقذ" ولا "البطل القومي" كما كان عليه قبل 10 سنوات فقط.

mm.arnant@alghad.jo

التعليق