محمد برهومة

صراعُ الأصوليات والاحتلالُ .. هل يُحيلُ "المسيحية المشرقية" إلى آثار؟

تم نشره في الجمعة 15 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

تقول الإحصائيات إن المسيحيين في المنطقة العربية كانوا يشكّلون قبل قرن نحو 20% من سكان المنطقة، فيما لا يمثّلون اليوم سوى 5% تقريبا، وهي نسبة مرشحّة لمزيد من التناقص بسبب الهجرة المستمرة.

ولقد نشأ التمييز بين تعبيري "العالم الإسلامي" و"العالم العربي" في أحد أهم جوانبه الأساسية من أنّ "العروبة" هي ما يجمع مسلمي "العالم العربي" ومسيحييهم في آسيا وأفريقيا، في المغرب أو المشرق، وبما يعبّر عن التنوع الديني والاثني والعرقي الذي يميّز المنطقة العربية منذ قرون، بشكل أسّس لتعايش مشترك وشراكة وطنية لم تقم على أساس ديني، بل على أساس المواطنة والمصالح المشتركة عبر التاريخ، والتعاون في تشكيل الدولة الوطنية وبلورة سياقها الثقافي والحضاري في شكله الحديث الذي نشأ مع فترة الاستقلال الوطني وخروج الاستعمار.

ولدى افتتاح البابا بنديكت السادس عشر يوم الأحد في الفاتيكان المجمع المقدس (السينودس) الخاص بمسيحيي الشرق الأوسط، وهو مؤتمر يستمر لأسبوعين، وصف بابا الفاتيكان وضع مسيحيي الشرق بـ" المأساوي". وكانتْ ورقة عملٍ صدرتْ عن الفاتيكان في حزيران(يونيو) الماضي فسّرتْ أسباب هذه "المأساوية" بثلاثة هي؛ أولاً، انطلاق"تيار العنف" الناجم عن صعود "الإسلام السياسي" الذي يهدد، وفق الوثيقة، مسيحيي الشرق. وثانيا، الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، الذي يحدّ من حرية الحركة وانتعاش الاقتصاد والحياة الدينية، خاصة وأنّ الوصول إلى الأماكن المقدسة في الأراضي المحتلة يحتاج إلى تصريح عسكري إسرائيلي، وغالبا ما يكون الرفض هو الجواب الإسرائيلي على طالبي التصريح، والتبرير: أسباب أمنية. ثالثا، وجود متطرفين مسيحيين يستخدمون النصوص الإنجيلية لتبرير الاحتلال الإسرائيلي (الذي برأيهم يقرّب من ظهور المسيح المنتظر)، الأمر الذي يزيد من صعوبة موقف المسيحيين العرب.

وإذْ يرى الفاتيكان، وفق الوثيقة المذكورة، "أنّ ثمة غموضا في الحد الفاصل بين الدين والسياسة في الدول الإسلامية، عادةً ما ينزل بالمسيحيين إلى مراتب دنيا من المواطنة"، فقد دعا بابا الفاتيكان إلى "علمانية إيجابية" تتيح لجميع "المؤمنين" ممارسة شعائرهم بحرية واحترام بعيدا عن القمع والاضطهاد والتضييق على الحريات الدينية، وكل ذلك على قاعدة "المواطنة". وكان بابا الفاتيكان قد انتقد في زيارته التاريخية قبل أسابيع إلى بريطانيا "تزايد أشكال العلمانية العدوانية" في بريطانيا، حسب تعبيره. وقد رفض رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، وصف البابا لبريطانيا بـ "المجتمع العلماني".

وترى الرؤية المسيحية الرسمية أنّ صراع الأصوليات في الشرق الأوسط يولّد العنف في المنطقة، وقد يكون في حال تفاقمه نذيرا سالبا لاحتمالات إراقة الدماء على خلفيات دينية بين أبناء البلد الواحد (نماذج العراق ومصر أمثلة أولية راهنة...). ووفق الرؤية المسيحية الرسمية التي عبّر عنها الأمين العام لسينودس الأساقفة المونسنيور نيقولا أتروفيتش، فإن منطقة الشرق مهددة بأنْ تصبح، بفعل الهجرات المسيحية المستمرة إلى "منطقة أثرية". وبحسب الأسقف أتروفيتش، فإن المسيحيين كانوا أبرز ضحايا الحرب على العراق، وهم في لبنان يعانون انقساما سياسيا وطائفيا، فيما يواجهون في مصر "صعوبات خطرة". أما في تركيا فإن الغموض الذي يكتنف مفهوم العلمانية الحالي يطرح تساؤلات حول "الحرية الدينية التامة في البلاد".

هذه الرؤية المسيحية التي تُلخص بأن الوجود المسيحي في الشرق، حيث أرض البشارة الأولى، مهدد بالأفول، وأن المسيحية المشرقية مهددة بالتحوّل إلى عنصر هامشيّ من مكونات المنطقة أو بالتحوّل إلى "معالم سياحية" بفعل الاحتلالات، وأبغضها الاحتلال الإسرائيلي، وبفعل صراع الأصوليات، و"نهضة!!" الهويات الأولية على حساب رابطة المواطنة، وبناء الديمقراطية والدولة الحديثة. أقول إن هذه الرؤية المسيحية بحاجة إلى نقاش عام وواسع في العالم العربي، ولا يجوز إبقاؤها طي الصدور والحديث الهامس، فهذا تحدٍ وطني عام آن وقت معالجة إرهاصاته قبل أنْ يتفاقم وتتسع دوائر العطب بيننا، وتهدد عيشنا المشترك. وللأردنيين تجربة نموذجية قابلة للتصدير وتقديم الدروس في هذا المجال.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تهجير المسيحيين وليس هجرتهم (رجائي هلســـــــــه)

    الجمعة 15 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    دعونا نضع النقاط على الحروف : لا دخل للاحتلال الاسرائيلي في هجرة المسيحين من فلسطين او من اي جزء من اجزاء الوطن العربي...تنامي الاصولية الاسلامية والذي يتبع سياسة القتل والتهجير المبرمج للمسيحين في كافة البلدان العربية بدون استثناء هو السبب الرئيس لهذا التفريغ القسري.
    كثير من اللغط يمارسه بعض الكتاب والصحفيين عندما يدعون فلسطين بانها اسلامية....الاسلام جاء الى فلسطين بعد الاف السنين من مجىء اليهودية والمسيحية. لا افهم كيف تقام المساجد بجوار كنيسة المهد في بيت لحم ويمنع المسيحيين بممارسة شعائرهم الدينية في اجزاء كثيره من الوطن العربي خاصة في السعودية مثلا!!!
  • »للأسف (أردنية)

    الجمعة 15 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    يؤسفني القول أن كلام البابا صائب تماما. ومع أن الأردن ضربت مثالا رائعا في احترام العقائد والحريات إلا أن العالم العربي شهد حالة مريعة من التراجع في هذا المجال. أعتقد أن الحل يكمن في منح حقوق المواطنة كاملة وفي العلمانية، مع أني غير واثقة أن هذا الأمر قابل للتطبيق!