الفنادق كمجتمعات مدينية مُصغرة

تم نشره في السبت 9 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

تمثل الفنادق أو ما كان يُعرف بالنزل سابقا؛ مكانا موازيا للمجتمع البسيط بعلاقاته التفاعلية الوجاهية "وجها لوجه". فكلما تطورت المجتمعات أكثر في انتقالها نحو المدينة؛ بدأت مؤسساتها الأولية بالتخلي عن أدوارها الروتينية لصالح مؤسسات موازية وجديدة وظيفية ومنفعية.

تاريخيا تخلت الأسرة عن جُل أدوارها في التعليم لصالح المدارس والمعاهد والجامعات، وعن أدوارها الصحية لصالح الطب المجتمعي بعياداته ومستشفياته العامة المتاحة للجميع، وعن الأدوار الاقتصادية الجماعية المحتكرة من قِبلها لصالح آليات السوق الفردية المتنافسة. وحتى الأدوار التربوية للأبناء مثلا لم تعُد العائلة تحتكرها كما الحال في السابق بعد أن أصبحت وسائل الإعلام؛ لاسيما البصرية منها تشاركها في تنشئتهم وتزويدهم بالمهارات غير التقليدية بصورة لحظية أسرع مما بقي الآباء يعتقدون أنهم المؤهلون الوحيدون لتعليمهم للأبناء من الجنسين. لا بل إن تفاعل الأبناء مع هذه الوسائل قد أصبح الأطول زمنيا من حيث الإصغاء والتعلم والأكثر تأثيرا بهم وبتطور مهاراتهم الأدائية من آبائهم؛ خصوصا بعد أن طالت ساعات مكوث الوالدين خارج المنزل من ناحية، ومن ناحية أخرى بعد أن تسيدت القيم الفردية عناوين حياتنا المعاصرة، أي ضعف العلاقات الأسرية بالمجمل.

وفي سياق ما سبق؛ ظهرت الفنادق كتعبير مضاف عن تخلي الأسرة في المجتمعات البسيطة عن دورها في توفير السكن للأبناء الذين اتسعت مساحات أعمالهم، وطبيعة علاقاتهم المصلحية والتفاعلية، وحتى اللغوية منها مع آخرين جدد اكبر من حدود العلاقات الأولية التي كانت مقتصرة على الأقرباء والجيران والمعارف أو الشركاء في لغتنا الواحدة قوميا وعرقيا الذين كانت تجمعهم الأعمال أو المهن الرعوية /الزراعية بعلاقات إنتاج بسيطة أيضا، ونحو ما هو عابر للجغرافيا واللغة والمهن المتشابهة، وكل هو مفتوح على:- التحاور والتبادل المنفعي غير المهتم بالجنسية أو الدين أو لون البشرة ما دامت علاقتنا مع الآخر قائمة على شروط المنافسة غير الصراعية كأحد المتطلبات الوظيفية العولمية، والمتجهة نحوالاستثمار والربح الاقتصادي والثقافي الأسرع عبر الفنادق التي غدت أسماؤها وعناوينها كشركات مشهورة أكثر من قاطنيها مهما كانت مكاناتهم السياسية أو الاقتصادية.

إن طبيعة التفاعلات التي تجري داخل الفنادق من عرض وطلب، وممكنات للتفاوض على أي شيء، هي الأكثر؛ حرية وشهرة وانتشارا ومرونة وتسويقا، بكلفة أقل من بلداننا ومنازلنا الثابتة جغرافيا، والمحدودة المدخلات والخدمات، إلى الحد الذي يمكنني الزعم فيه أن الفنادق قد أصبحت عناويننا المتحركة تماما كعناويننا الالكترونية على"الايميل" النازعة وبتدرج متسارع للتخلص من سطوة ذكرياتنا وبلداتنا التي ولد بها آباؤنا أو نحن، والتي يشاركنا فيها آخرون بالتأكيد؛ حيث بقينا أسرى لسلطة المكان الاولي في المجتمعات النامية، وبالضد من القول الشفاهي المشهور"وين ما بترزق الزق" .

ترى؛ هل اصبحت علاقاتنا العولمية الراهنة مع الأمكنة الافتراضية أو الحقيقية معا جراء نضوج خبراتنا ومداركنا بفضل التكنولوجيا وثورات المواصلات المهولة ومعارفهما المصاحبة، تشبه علاقة أجدادنا البدو مع تلك الأماكن وبفارق بسيط هو أننا أصبحنا بدوا معاصرين؟ من بوسعه الجزم؟

husain.mahadeen@alghad.jo

التعليق