علاء الدين أبو زينة

أين الإنساني في "التطبيع الثقافي" مع الكيان؟!

تم نشره في الأربعاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 02:00 صباحاً

حملت الأنباء مؤخراً رفض مجموعة من الفنانين المسرحيين الإسرائيليين أداء عروضهم الفنية في مستوطنة "آرئيل" وغيرها من المستعمرات في الضفة الغربية، ضمن جولة تمولها حكومة الاحتلال. وقد اعتبر هؤلاء الفنانون من الممثلين وكتاب المسرح ومخرجيه، أن أداء أعمالهم المسرحية في هذه المستوطنات غير القانونية وفق القانون الدولي، يخدم غايات "تطبيع" الوجود الاستعماري غير الشرعي في الأراضي المحتلة. وقد استوقفتني كلمة "تطبيع" بالتحديد، لأنها وردت هكذا بالضبط في بيانهم، ليصفوا بها محاولة حكومتهم الإيحاء بأن وجود تلك المستعمرات في الأراضي الفلسطينية طبيعي، وهو ما لا يرونه طبيعياً.

المهم في تعريف هؤلاء الفنانين للتطبيع، هو أنه يزودنا بالخلاصة الصحيحة للجدل الذي يدور في أوساط المثقفين والفنانين العرب حول مشروعية التبادل الثقافي، أو التواصل الثقافي والفني، مع مؤسسات الكيان الاستيطاني في فلسطين. وفي هذا الموقف بالتحديد، تقدّم الممثلون الإسرائيليون على بعض المثقفين "العرب" الذين هرولوا للتعامل مع دولة الكيان والتودد لمؤسساتها "الثقافية" تحت عناوين: التواصل الإنساني؛ واستثمار الوصول إلى الجمهور الإسرائيلي (معظمه يخدم في جيش الاحتلال)، لإيصال رسالة السلام وشرح القضية؛ والبناء على المشترك الكوني من أجل تقريب الشعوب، وغير ذلك المقولات الإنسانية المغوية.

ويمكن أيضاً قياس أهمية خدمة تواصل المثقفين والفنانين والرياضيين مع الكيان من أجل إكسابه المشروعية، من ردة فعل أعلى مستويات حكومة الاحتلال على موقف المسرحيين الإسرائيليين، والتي ذهبت حد اتهامهم بالخيانة والتآمر. وتجدر ملاحظة أن هؤلاء الرافضين أكدوا انتماءهم واعترافهم بدولة "إسرائيل" ضمن حدود ما قبل 1967، لكنهم اتفقوا مع قرارات الشرعية الدولية حول اعتبار احتلال الأراضي الفلسطينية بعد ذلك العام غير مشروع ولا إنساني ولا طبيعي.

أما نحن، فمعنيون برؤية الحقيقة كلها بلا اجتزاء: لقد أقيمت دولة الكيان كلها أساساً في العام 1948 على أراض تعود ملكية 95 % منها للفلسطينيين، بعد سرقتها منهم بالقوة وطردهم منها ومحو 500 قرية فلسطينية من الوجود. أما البيوت والأملاك الفلسطينية الأخرى، فصودرت وسرقت أيضاً، بدعوى أن البلاد كانت قاحلة وبلا شعب، ولم يتكلف الصهاينة عناء تفسير كيفية وجود البيوت التي سرقوها وسكنوها بعد أن غيروا "زرافيل" الأبواب فقط. وبذلك، لا أدري كيف تمكن رؤية أي شيء إنساني في شرعنة المصادرة والاغتصاب والطرد، وإقصاء الآخر وإلغائه، وفي تطبيع من يمارسها على يد أدعياء الثقافة.

في هذه الأوقات يتكشف فيها وجه الاحتلال البشع أمام العالم، ويصل فيها الصراع إلى مرحلة "تكسير العظم" والاحتدام، يقف على رأس أهداف مؤسسة الاحتلال ما يوصف بأنه "محاربة نازعي الشرعية عن الكيان والناشطين من أجل مقاطعته وسحب الاستثمارات منه". ويجيء ذلك رداً على الاتساع المطرد في دوائر الأكاديميين والمثقفين الغربيين الذين يؤيدون مقاطعة المؤسسات الأكاديمية والثقافية في كيان الاحتلال ونبذ منتجاته، بغية عزله سياسياً وفصله عن الجسم الإنساني. ومن الملفت أيضاً أن جنوب إفريقيا، دولة الفصل العنصري سابقاً، قد انضمت الشهر الماضي إلى حملة المقاطعة الثقافية لكيان الفصل العنصري في فلسطين، حيث دعم أكثر من 100 أكاديمي في جنوب إفريقيا، من أكثر من 13 جامعة، مبادرة جامعة جوهانسبيرغ الداعية لإنهاء التعاون مع دولة الاستيطان. وقد اتسعت حملة المقاطعة لتشمل 200 جهة داعمة، وفق "الغارديان" البريطانية، إضافة إلى مقاطعة السلع التي ينتجها الكيان قبل ذلك، ورفض عمال الموانئ إنزال بضائعه في ميناء ديربان.

بعد هذا كله، لا يمكن لمن يتنكر لدور المثقف والفنان، ويزعم العروبة والإنسانية، أن يتذرع بشيء لتسويغ اتصاله مع مؤسسات الكيان. ولا أوجه دعوة عنصرية إلى مقاطعة الأشخاص بسبب هوياتهم الدينية أو انتمائهم إلى أي عرق أو لون، لكنني أستثني من هؤلاء كل من يقدمون أنفسهم على أنهم جزء من جسم الكيان الاستيطاني اللاأخلاقي، غير الإنساني وغير المشروع في فلسطين المحتلة. أما دعواي، فهي: عدم التسامح مطلقاً مع "المطبعين الثقافيين" مع مؤسسات كيان الاستيطان وممثليه، هنا وفي أي مكان، واعتبار التعاطي مع هؤلاء نفسه تطبيعاً مُداناً وغير إنساني لأشخاص غير طبيعيين ولا مثقفين، ولا يمتون للإنسانية في شيء.

ala.zeineh@alghad.jo

 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الهي اعدني الى وطني..عندليب (ملك)

    الأربعاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    من مده قصيره واعتقد في المانيا..اقيمت حفله لاحياء التراث الفلسطيني فشارك في الحفل فرقه اسرائيليه الا انهم يرتدون الزي الشعبي الفلسطيني ويرددون اغانينا...لم يبق لديهم شيء ليسرقوه سوى تراثنا بل ونسبوه لهم ايضا..سرقو الارض والمال والبيت ..لكن لو اجتمعت كل قواهم على ان يسرقو قلبا ينبض بحب فلسطين...لن يقدرو...انحني لك محبه واحتراما لكل حرف يقطر من قلمك العذب مثلك..ولي طلب عندك...اكتب لنا عن الحريه..عن سمااء خاليه من طائرات العدو..عن حدود بين قرى مدن فلسطينيه باتت تاريخا ووهما فقط..ففسحه الامل تبقى موجوده بغد مشرق بشمس الحريه..صباحك معطر بالجوري..ملك
  • »وضع الأمور في نصابها (باسم شاهين)

    الأربعاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    أحييك يا أستاذ علاء على المقال الذي يعيد الأمور إلى نصابها... لقد شططنا كثيراً، واستقبلنا بصدور رحبة كل التهويمات والتضليلات والمفاهيم المشوهة التي يروجونها... لذلك من الجميل أن يأتي من يعيدنا إلى ألف باء الحكاية، لعل في ذلك تذكرة لمن نسي، وتنبيهاً لمن يتلاعب بوعي أجيالنا