علاء الدين أبو زينة

هل "روَّحَت" القضية؟!

تم نشره في السبت 2 تشرين الأول / أكتوبر 2010. 03:00 صباحاً

قال محدثنا القادم من غربيّ النهر، وقد عتمت ملامحه بعد الحديث الضاحك الودود، إنّ القضية الفلسطينية "روَّحَت"، وإننا نحن "الخارجيون" لا نعرفُ عمّا وصل إليه حال الناس هناك -في الداخل- من اليأس وفقدان الهمة بسبب الفساد والمحسوبية والتناحر الداخلي. وقالت مرافقته –وكلاهما من المثقفين الناشطين- إن الشباب هناك أصبحوا إما ملتَحين ومنقَّبات، وإما من ذوي السراويل "السّاحلة"، ولا شيء في المنتصف. وأضافت أن السائر في القدس، يحس بأن السائرين من الصامدين فيها الأشباح.

واحتج الحاضرون "من الخارج". قالوا إن إهاب الفلسطينيين لا يخلو دائماً من مفاجأة، وهم شعب تدبُّ فيه الحياة تماما عندما يظن الآخرون أنه شُلّ أو مات. ولم أجد مزاجا للمشاركة في الحوار الذي لم ينته إلى شيء، لكنني تذكّرت شيئا شبيها قاله لي صديق أتاح له حمله جواز سفر الأمم المتحدة أن يزور الضفة وغزة في أواخر الانتفاضة الأولى. حينها، قال إنَّ الناس هناك قد أنهكهم رمي الحجارة وتشييع الشهداء، ومطاردة الخبز وتهشّم الأطراف. ومع حديثه، خفتت فيَّ أناشيد الحماسة، وحلّ شعور بالفتور والإشفاق على الذين نهتف لهم ونصفّق من بعيد، ولا نعرف حقيقة ما يغالبونه أثناء استراحات المحارب القصيرة بين اشتباكَين.

وبعد وقت ليس بعيداً من الانتفاضة الأولى، عاد نفس الناس الذين قال صاحبي إنهم تهدَّموا، فانتفضوا وكتبوا فصلاً آخر في المقاومة عندما استدعى الأمر. واليوم، تبدو الصورة قاتمة بلا شك- ولا ألوم الضيفين: ثمة الحصار والتضييق على الناس من الداخل والخارج، واستئثارُ القليلين بالامتيازات والثروات والعصي والجزر. وثمة متدينون وعلمانيون، ومعسكر سلام ومعسكر مقاومة، والسلطة في الضفة وحماس في غزة. وهناك "دايتون" الذي يرتب دولة بوليسية. وهناك مفاوضات يعتقد الكثيرون بأنها شراء وقت لأناس على حساب الناس، وغير ذلك مما لا يعَزّي.

لكن هناك، في المقابل، قصة بسيطة، ناصعة وبديهية، أحب إعادة التذكير بها وألتقطها ببساطة من فوضى المشهد: لَم يحصل في التاريخ الحديث أن تعرّض شعب لما تعرّض له الفلسطينيون من محاولة تصفية قضيتهم وتصفيتهم. وقد تكالب عليهم العالم –حرفيّا- بمؤسساته الدولية وبأغلبية أنظمته السياسية على اختلاف المشارب والجغرافيا. وبعد كل هذا الاستهداف الشرس، المركز والمستمر، لم يحقق الشعب الفلسطيني معجزة البقاء فقط، وإنما تكاثرت أعداده ومعها إصراره على ترسيخ الهوية. ولم يكن المشروع الصهيوني غزوا استعماريا بالمفهوم الكولنيالي المألوف، ولم يصمَّم ليشبه احتلال الأوروبيين لدول العالم الثالث بغية المنافسة على النفوذ ونهب الثروات والعودة بها إلى البلد الأم، وإنما كان شرط نجاح المشروع الاستيطاني الصهيوني هو تكرار التجربة الأميركية، بمعنى تفريغ الأرض من أهلها الفلسطينيين وإبادتهم وشطب هويتهم والحلول محلهم، لأنّ الصهيونية ليست بلدا يمكن الانسحاب والعودة إليه. ولم ينجح هذا المشروع قطعاً، لأن الفلسطينيين لم يُبادوا على الرغم من سياسات التطهير العرقي والإبادة، ولم يسقطوا من التاريخ. ولا أعتقد بأن هناك شيئا لم يجرَّب ضدهم بعد في جراب الحاوي. ويشهد على صمودهم في الأرض بقاء محدثينا أعلاه هناك.

لو كانت القضية ستموت، لحصل ذلك حينَ خرج المهجَّرون الفلسطينيون الأوائل قليلو العدد، منهكين وأميّين ومكشوفين إلى عراء الشتات. لكن أولئك تمكنوا، في ذلك الموقف البائس بالذات، من إعلان الحياة والوجود بالهتاف، ثم البنادق، فالحجارة، ثم البنادق والصواريخ أيضا. والآن، في العتمة، يتحدث مفكرو العالم وخبراؤه، بلا عواطف ولا خطابة، عن نقيض الفناء الفلسطيني: "القنبلة الديمغرافية" التي تعمل بلا توقف حتى لو كان الفلسطينيون يائسين، بلحى أو بسراويل "ساحلة" (وليسوا كلهم كذلك). ولن يعني حتى قيام دولة بانتوستانات، أن تنام عيون أحد هادئة ما دامت هناك بيوت مسروقة يحتفظ أحفاد أصحابها بمفاتيحها.

نعم. قد يشعرُ الفلسطينيون بالإنهاك، فيركنون إلى شيء من الهدوء. لكن ذلك ليس موتا، لأن الشعوب تموت فقط حين تضيق بالهوية فتنبذها وتغير جلدها، أو حين تُبادُ فيزيائيا وتتحلل. ومن الأكيد بعد كل هذه السنين أن "ترويح" فلسطين ليس قرار شخص ولا جهة محلية ولا دولية. إنه قرار شعب، يعلن حضوره الصاخب المتكاثر، بعجره وبجره: إن القضية حاضرة بأصحابها. لم "تُرَوِّح"، ولن تفعل.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ليت اليوم مثل الامس (ابو رائد الصيراوي)

    السبت 2 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    كان بودي ان اشاطرك الامل ولكن هناك كثيرا من المتغيرات التي لم تكن موجودة عندما قام الشعب الفلسطيني بانتفاضته الثانية .

    عندها كان هناك عدو واحد تحاربة ويحاربك ويكسر بالحجارة ايديك
    اما الان وللاسف فان ظهرك اصبح مكشوف بفضل قوة دايتون التي وان استطعت ان تهرب من عدوك الصهيوني وتختفي بين اهلك وارضك فاليوم لم تعد تملك هذا الخيار فرجال دايتون وهم من الاهل والعشيرة وللاسف سوف يذيقونك عذابا قسى وذلا اعظم.

    عندما تبتلى الامة بتجار ورجال اعمال. الوطن بالنسبة لهم ثروات ومناصب وبطاقات VIP فان القضية فعلا (روحت).
  • »ولدي الصغير فلسطيني حتى النخاع (ابو المجد)

    السبت 2 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    يكفي أستاذي الكريم أن تعرف - ويعرف الجميع - أن ولدي الصغير أبو 3 سنين بدأ ينطق باسم فلسطين ويعرف يحكي فلسطيني ويعرف أنه اليهود هم أعداء الله وفلسطين والعالم كله. اطمأن وان شاءالله هالأمة بتظل بخير كما أخبر الحبيب المصطفي (ص) وتعود لرشدها وعزها قريبا.
  • »صباح مؤلم..ولست ادري سبب الالم (ملك)

    السبت 2 تشرين الأول / أكتوبر 2010.
    اعلق مفتاح بيت جدي في سيارتي واصبح عليه كل يوم واقول راجعين..عندي امل يحاول المتكالبين علينا كل يوم قتله ..لكن تحييه قلوب تنبض بمحبه فلسطين وشباب يضحون بالارواح لاجلها..لكن الكلام ومعاهدات السلام لن تفيد ولن تحرك في الامر شيئا فما اخد بالقوه لن يسترد الا بالقوه ...ايها العذب انت تضع يدك دوما على جرح لن يندمل بل وترك علامه كالوشم لن تزول طالما في العمر بقيه..فلسطين جرحي وكرامتي ووشمي وانفاسي...دمت متالقا ودام قلبك ينبض بمحبه فلسطين...ملك