ياسر أبو هلالة

البشير بطل تقرير المصير

تم نشره في الاثنين 27 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 صباحاً

ستضيف الحركة الإسلامية مكسبا تاريخيا لها. فهي الحركة التي منحت شعب جنوب السودان حق تقرير المصير. وهو ما فشلت فيه كل الأنظمة التي تعاقبت على السودان على اختلاف تلاوينها. والمأمول أن تستفيد من هذه التجربة الشعوب التائقة إلى تقرير المصير من الباسك في إسبانيا إلى الكشميريين في الهند، وصولا إلى شعب فلسطين. العائق الوحيد أمام هذا المكسب أن تغري تجربة حكومة الإنقاذ الجنوبيين فيصوتون للوحدة حرصا على ما كسبوه في العقدين الخاليين هم وأبناء الشمال بعامة ودارفور بخاصة.

أضحك على نفسي أم أبكي عليها وأنا أتذكر تلك السنوات التي كان أمل شباب الحركة الإسلامية منعقدا على ثورة الإنقاذ. أو الانقلاب العسكري الذي قاده عمر حسن البشير لصالح الحركة الإسلامية بزعامة حسن الترابي. كنا نتابع برنامج "في ساحات الفداء" الذي يوثق بطولات وتضحيات زهرة شباب الحركة الإسلامية السودانية الذين عجلوا إلى ربهم آملين أن يجد من خلفهم سودانا محررا حرا مستقلا موحدا مزدهرا.

في منتصف التسعينيات كانت الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان في انحسار، وهو ما منح المشاركين في مؤتمر حوار الأديان فرصة زيارة جوبا عاصمة الجنوب. تلقيت يومها عدة صدمات، الأولى الجمال الصارخ لتلك البقعة البكر من العالم. غاباتها ليست كالغابات ولا أنهارها، قطعة من الجنة لا مثيل لها. الصدمة الثانية كانت "الوالية"، فتقدمية الحركة الإسلامية السودانية كانت تخولها لاختيار امرأة وغير مسلمة والية على مساحة تفوق مساحات كثير من الدول العربية. الصدمة الثالثة خرافة الصراع الإسلامي - المسيحي بين الشمال والجنوب. فالمسيحية دخلت الجنوب متأخرة مع الاستعمار الحديث، وعدد المسيحيين مقارب لعدد المسلمين والأكثرية الساحقة هي من اللادينيين والأرواحيين والوثنيين.

عدت مزهوا بتلك الصدمات ومدافعا عن حق الحركة الإسلامية في استثناء جنوب السودان من تطبيق الشريعة الإسلامية، وكنت مؤمنا بمقولة الترابي أن الإسلام انساب في أفريقيا دعوة ولم يدخلها فتحا. وأن قوة الجاذبية في الشمال كفيلة بسحب أفريقيا كلها إلى دائرة العروبة والإسلام.

لم يستمر الوهم طويلا، وصحونا على قتامة الواقع. فالثابت الوحيد هو بقاء البشير في الحكم. ولو كان الثمن تقسيم البلاد. الجنوب القسط الأول يليه دارفور والحبل على الجرار!

لا أنكر التآمر الخارجي والألغام الموروثة من أيام الاستعمار. لكن الحركة الإسلامية السودانية تتحمل المسؤولية كاملة لأنها انقلبت على حكم ديمقراطي. وفي الدرس التاريخي لنا أن نقارن كيف تعاملت الحركة الإسلامية التركية مع نفسها ومع بلدها. انفصل أردوغان عن شيخه أربكان بإحسان. على قوة الجيش التركي جعل الحل السلمي والتنمية مدخلا لمواجهة انقسام الأكراد. ومقولة الجاذبية تتحقق في تركيا. فحتى في كردستان العراق، الكردي الميسور الحال يضع أولاده في مدرسة تركية.

يوجد منظرون للانفصال في العالم العربي، سواء في العراق أم الصومال أم اليمن أم غيرها ويعتقد هؤلاء أن لا حل لمشاكل المنطقة في ظل بقاء الدول موحدة كما هي. لن يحتاج هؤلاء لوقت طويل ليتأكدوا أن المشكلة أعقد من ذلك وأن الانفصال سيؤدي إلى مزيد من الانقسام والاحتراب والفتن.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المعادله العكوسه... الثوابت والمتغيرات (د محمد الصفدي)

    الاثنين 27 أيلول / سبتمبر 2010.
    عبر التاريخ لم تتوقف محاولات الوحده والانفصال والامثله على ذلك كثيره ولكل منهما انصارها ومعارضيها,فعند وجود محاولات للوحده نرى ان ابطالها من الرجال الوطنيين الذين يرونها ثوابت غير قابله للنزوح الى الأتجاه المناقض الا وهو جانب الأنفصال الذي يعني التفتت الى دويلات صغيره ضعيفه ليس لها حول ولا قوه,جهود الوحده هذه تعرضت عبر التاريخ ولا تزال تتعرض الى محاولات التدمير والتقويض من قبل جهات خارجيه لها اجنداتهاالعدوانيه والطامعه في مقدرات امتنا العربيه غير عابئة بهدم اركان وحدة بلادنا العربيه الأمر الذي يوجب علينا جميعا اخذ الحيطه والحذر الشديدين لوئد اي محاولة للعبث في وحدة وطننا العربي الكبير والذي يجب ان يبقى كبيرا وعصيا على اعدائه الى يوم الدين .
  • »العرب لا يفكرون الا بانفسهم (احمد)

    الاثنين 27 أيلول / سبتمبر 2010.
    البعد الاول عن الدين وعدم الاعتصام بحبل الله وعدم اعداد العده لمن يريد تقسيم الامه وشرذمتها فامريكاوالكيان الصهيوني والعملاء سبب بلاء الامه لان السكوت المطبق على مخططات الاعداء من حولنا هي التي نخرت بنا حتى وصل السوس الى الجذر واصبحت الامه بحاجه الى اعادة البحث من جديد عن اسباب سقوطها علها تفلح الاجيال القادمه للجم الاستعمار الذي ما زال يعشعش ويخطط لنا لمزيد من الانقسام من اجل مزيد من السيطره على مقدراتنا....... فمن يوقظ الامه
  • »مقارنة بين تجربتين (أحمد الزاويتي)

    الاثنين 27 أيلول / سبتمبر 2010.
    بارك الله فيك استاذ ياسر..
    قراءة رائعة لقضية مؤلمة..
    أكثر ما آلمني عبارة ( كنا نتابع برنامج "في ساحات الفداء" الذي يوثق بطولات وتضحيات زهرة شباب الحركة الإسلامية السودانية الذين عجلوا إلى ربهم آملين أن يجد من خلفهم سودانا محررا حرا مستقلا موحدا مزدهرا.)

    واكثر ما افرحني في الموضوع عبارة: (وفي الدرس التاريخي لنا أن نقارن كيف تعاملت الحركة الإسلامية التركية مع نفسها ومع بلدها. انفصل أردوغان عن شيخه أربكان بإحسان. على قوة الجيش التركي جعل الحل السلمي والتنمية مدخلا لمواجهة انقسام الأكراد. ومقولة الجاذبية تتحقق في تركيا. فحتى في كردستان العراق، الكردي الميسور الحال يضع أولاده في مدرسة تركية.)

    هي مقارنة بين تجربتين شتان بينهما!
  • »منظرون للإنفصال (ابن الضالع الابي)

    الاثنين 27 أيلول / سبتمبر 2010.
    كم كنت اتمنى انت وجميع الكتاب والمثقفين العرب على اطلاع على مايجري باليمن وتحديدا في جنوبه ، ومن هم دعاة الوحدة وكيف مارست سلطة صنعاء الانفصال في تعاملها مع الشريك الجنوبي ، وما يجري حاليا بأبناء الجنوب واتهماهم بالارهاب والقاعدة ، واليوم لاننا في الجنوب اصحاب حق لم يلتفت الينا احد وبعدها نصبح منظرين للانفصال ، كأننا لم نكن يوما دولة ولا هوية تمثلنا وهي الجنوب العربي .