إبراهيم غرايبة

مطر أيلول: زيتون وذكريات

تم نشره في الجمعة 24 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 صباحاً

ننتظر المطر في أيلول بلهفة كبيرة، فموسم الزيتون يعتمد عليه، ونتفاءل بموسم جيد ومبشر، وفي مرحلة من حياتنا الاقتصادية عندما كانت الزراعة هي العمود الفقري للموارد ويتبع ذلك أسلوب الحياة، تكون المؤونة من الطعام المخزن هي الوسيلة الأساسية للبقاء والاستمرار في شهور صعبة عندما يتوقف الزرع والضرع، ولا يبقى للناس سوى ما خزنوه من الطعام، في هذه الفترة من العام التي يأكل فيها الدوري ظفره يكون الزيت هو سيد المائدة، ولكن ذلك مضى ولم يعد موجودا، والملفت أن الضفة الشمالية للمتوسط الأكثر تقدما صناعيا وغنى ماليا هي أيضا الأكثر إنتاجا للزيت والزيتون.

ورغم أن الضفة الجنوبية والشرقية للمتوسط كانت الموطن الأصلي للزيتون والعنب، فقد أصبحت اليوم خلوا منهما تقريبا، وفي المقابل فإن الضفة الشمالية من المتوسط تنتج أكثر من ثلثي زيت الزيتون في العالم، ومن المحير أن الشمال المتقدم علميا وتقنيا وحضاريا أكثر إنتاجا للزيتون وأكثر اهتماما بزراعته والعناية به، والجنوب الفقير الأقل تقدما هو الأكثر عزوفا وابتعادا عن هذه الزراعات والصناعات الأكثر ملاءمة للجغرافيا والمناخ والأقل تكلفة، ثم تتحدث الحكومات عن الجهود والتسهيلات لجذب الاستثمارات والمستثمرين وتكنولوجيا المعلومات!

تعود بدايات معرفة الإنسان بالزيتون إلى بلاد الشام، وأول مكان معروف لزراعة الزيتون هو منطقة "رم" في جنوب الأردن، وذلك قبل حوالي سبعة آلاف عام، وفي سورية "الطبيعية والتاريخية" بدأ الإنسان زراعة الزيتون، وانتشر من هناك إلى حوض المتوسط، وتعد اليوم اليونان وإيطاليا وإسبانيا أفضل وأهم دول العالم في زراعة الزيتون وإنتاجه، واستهلاكه أيضا، ولكن زراعة الزيتون واستهلاكه أصيبا بانكسارات شديدة في البلاد العربية، ربما تكون سورية وتونس هما الأفضل عربيا في إنتاج الزيتون واستهلاكه، ولكنها معدلات وأرقام ضئيلة جدا إذا ما قورنت بدول الضفة الأخرى من المتوسط، فمجموع ما ينتج العرب على امتداد المتوسط من الزيتون يقل عما تنتجه اليونان وحدها!

بالنسبة لي فإن مطر أيلول يعيدني إلى أيلول من عام 1966 عندما كنت برفقة والدي نقيم في الجبال لنقطف الزيتون، ثم هطلت أمطار غزيرة جدا في الليل ونحن نيام في الخلاء، وسالت الأودية، وانتقلنا إلى عراق "كهف كبير" في الجبال، يعود بالتأكيد إلى أسلوب حياة الإنسان الأول، وتواصل المطر طوال النهار، ويا له من نهار بلا عمل سوى مراقبة المطر والسيول والبرق والرعود في تلك الجبال والأودية البالغة الوعورة، والتي تبدو حتى اليوم وكأنها مكان معزول عن العالم.

ibrahim.ghraibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »موسم الزيتون (amalalkhaledy)

    الجمعة 24 أيلول / سبتمبر 2010.
    اشكر الكاتب على مقاله الرائع واضيف
    يتغنى الناس بموسم الزيتون خاصة اهل الضفة الغربية فلقاط الزيتون له اهمية كبيرة في حياتهم حتى انهم ضعواامثالا شعبية لهذه المناسبة واليك بعض امثالهم الشعبية الجميلة :
    كل زيت وناطح الحيط
    خبزي وزيتي عمار بيتي
    الزيت الطيب من الشجر للحجر
    الطحين والزيت سبعين من البيت
    اذا عندي طحين او زيت صفكت وغنيت
    اللي امو في البيت يوكل خبز وزيت
    ما حدا بيكول عن زيتو عكر
    اخضر الزيتون ولا يابس الحطب
    في ايلول بيدور الزيت في الزيتون
    سيل الزيتون مثل سيل كانون
    زيت البري طيب بس لكاطه بيشيب
    حط الزيت بجرارة تييجي اسعاره
    عمار البيت خبز بزيت
  • »أثينا والزيتون (نادر كساسبه)

    الجمعة 24 أيلول / سبتمبر 2010.
    تشير الاسطوره الى أن الآلهة أثينا اهدت الزيتون الى شعب اليونان مكافأة له .. ثم تم نقل الزيتون الى البلاد التي كان يستعمرها اليونان او يصلو اليها .

    اما بخصوص الاردن فلا ادري ما المانع من زراعة ملايين الاشتال من اشجار الزيتون في كل الاراضي الممتده من عمان الى محافظات الشمال و في كل الاراضي الصالحة لزراعته في الطفيلة والشوبك .

    ولا زلت استغرب كيف تم زراعة البلد بالسرو و اللزاب و غيرهما من الاشجار الحرجيه ولم يتم زراعة الزيتون مكانها .
  • »البعارة (سعد ابو عناب)

    الجمعة 24 أيلول / سبتمبر 2010.
    تحياتي للأخ إبراهيم
    ها أنت يا صديقي تأخذنا في رحلة إلى الماضي ،إلى ما قبل خمسين عاما إلى أيام الطفولة إلى الخريف وموسم الزيتون.فكلانا قادم من البيئة نفسها .ما زلت أتذكر يا إبراهيم أننا كنا نسمع صوت مطحنة بلدتكم من القمم الجنوبية المطلة على بلدتنا وبينهما مسافة بعيدة،نظرا لما كان عليه الحال من هدوء وسكينة.كنا أطفالا حينذاك في المرحلة الابتدائية والإعدادية(الأساسية اليوم)نوكانت بلدتنافي موسم الزيتون تتحول إلى خلية نحل نشطة ،الكل يعمل وله دوره الذي يؤديه ،من الكبير حتى الصغير ،إلى أن ينتهي الموسم .موسم الزيتون كان محقق الأمنيات الصغيرة لنا ،موسم الهرائس والحلويات وسجائر (اللولو والسبورت والسيد)،وموسم شراء الملابس والأحذية والألعاب الصغيرة موسم كل شئء.أذكر أننا لم نكن نضيع لحظة من هذا الموسم ؛كنانمشي من منطقة إلى أخرى نمارس مهنة (البِعارة)وهي التقاط ما تبقى من ثمار الزيتون بعد قطافه،وبثمن ما نلتقطه نشتري حاجاتنا من القرطاسية للعام كله ،وربما نشتري أشياء أخرى للمنزل.لم نكن لنتوقف عن العمل حتى يدخل فصل الشتاء.وأظنك يا عزيزي تعرف كثيرا ممن تخرجوا من هذه (البعارة)ووصلوا مبتغاهم من العلم.
    الغريب أن مهنة البعارة يا صديقي لم تنته وأن معظمنا ما زال يمارسها حتى الآن ويلتقط رزقه مما يتبقى من وراء...إنها الأقدار والحظ المائل يا عزيزي...
  • »أيلول ذيله مبلول (وائل أبو هلال)

    الجمعة 24 أيلول / سبتمبر 2010.
    هكذا تقول أمثالنا الشعبية المنطلقة من رحم أرضناوالمعجونة بتراب سهولنا وماء سمائنا، أرضنا التي ملأناها غابات من الأسمنت المسلّح والقار واستبدلنا بها همر ومرسيدس.
    أرض أقسمت السماء بتينها وزيتونها كننا ما أبرّينا قسمها فما عدنا نأكل لا تينا ولا زيتونا ولا حتى زعتر ... لكننا سنبقى نقول فغنّوا يا بني قومي يعيش الزيت والزعتر!!