شارع الوكالات: مُغالبة العولمي للمحلي؟

تم نشره في الأربعاء 15 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 صباحاً

"تتأثر طبائع المغلوب بالغالب حضاريا"- العلامة ابن خلدون.

شارع الوكالات في الصويفية لمن لا يعرف؛ اسم لشارع صغير وبعيد عن وسط عاصمتنا بالمعنى الجغرافي، يحمل من الصرامة والإيحاء ما يجعله واخزا لأسماع وأبصار الفقراء وميسوري حال حتى من غير الزائرين له، أو السامعين عنه ابتداء، خصوصا من أهلنا القادمين إليه من خارج العاصمة الحبيبة عمان؛ كيف لا، والمتداول الشعبي يؤثر في تشكيلنا لمعاني الأشياء ودلالاتها المصاحبة لدينا كمتلقين؟

في خطابنا الحياتي أردنيا؛ وعندما نود إضفاء التميز على شيء ما حتى ولو كان من البالة نقول عنه "هذا ماركة"، وكأننا نؤصِل لأبوته المنحدرة من سلالة إحدى الوكالات العالمية المشهورة، فهو مشهور كونه سلعة أو سلوكا أو تقليدا متعارفا عليه عالميا، فأصبح عابرا للجغرافيا، ولمصدره الأصلي في إيحاء حاسم لحداثته ولسطوة حضوره؛ سعرا ومعاني نقلدها أو نتماهى معها ضمنا لأنها من الغرب كغالب حضاري لنا نحن كأبناء مجتمع نام.

الوكالات أو الماركات العالمية بنخبويتها، ورغم ارتفاع كل من أسعارها والكلف الاجتماعية المطلوبة لها أصلا بالنسبة لأبناء الشرائح الفقيرة والمتوسطة كمستهلكين، إلا أنها ليست سلعا صماء نتداولها أو نتفاعل مع استحقاقاتها الثقافية بحدود السلعة نفسها فقط، بل إنها عمليات لتعديل درجة تقبلنا ابتداء لها ولسلوكياتنا المصاحبة لاقتنائها، أو حتى الافتتان بها.

لكل سلعة شروطها الاجتماعية والسلوكية المصاحبة الواجب علينا كمستهلكين إتقانها وفقا لرغبة المصدر لها، وكجزء من أنماط ثقافية يجري تصديرها إلينا مربوطة مع حملات إعلامية وتكنولوجية آسرة بإغوائها لنا بتقليدها والحرص على اقتنائها ولو بالتقسيط المريح، لأن هذا الإتقان الذهني والسلوكي اللاحق لمتطلباتها الاجتماعية والثقافية، هو أحد الشروط المطلوبة للمحافظة على عضويتنا كهامش ضمن عولمية طاغية على مسرح الاستهلاك المظهري الداعم لدول وشركات ولغات المركز الغربي كمعيار لعالم اليوم الأحادي الذي نحن مأسورون في تقليده.

في شارع الوكالات؛ ثمة جرأة مبررة على إطلاق مكبوتات نفس اجتماعية وحضارية أوسع تصارع المحلي الأبطأ تبدلا عبر الوافد السلوكي الأسرع حضورا، والأكثر إبهارا كاشتهاء ضمني لتمثله عند المتواجدين في هذا الشارع مقيمين كانوا أو زوارا، عجلين بشهوة الاكتشاف والدهشة لحقيقة هذا الصراع الضمني.

في هذا الشارع المعبّر والمزدحم بالمعاني ذهابا وإيابا، يصبح لتزاحم العطور المنثالة شهوة معنى الاثارات الحسية، تماما كالمعاني المُستنتجة من التمرد على سطوة الملابس لدى الجنسين من الشباب القابعين على حد الترقب أو الاقتناص للذة ما مع الآخر الفردي أو الحضاري المشتهى.

هنالك، تحديدا، ثمة خدر ما يعيشه الفضوليون والمتعاطون الكثر للنارجيلة بلغاتها المصاحبة في تواطؤ ضمني معاش مع أنين الآهات المتطايرة غيما من دخان وأصوات صفقات بين أناس يسندون ظهورهم أو جنباتهم لا فرق إلى أعمدة الإنارة المنسقة بحكمة أو لهدف ما، أو عبر رنين هواتف أو أصوات إغوائية باحثة عن الرحيل إلى الخلاء، أو رسائل "بلوتوث" بقيت هائمة كالسنارات في الأثير على أمل أو احتمال الفوز بصيد ما.

أخيرا؛ بثقافة الوكالات وبنوة ماركاتها؛ ثمة فرصة للوسطاء، أو لغة جديدة للتوافق على أن يكون الطرفان المتشابكان فائزين. إنها لغة للتشارك في الأشياء عرضا وطلبا وصولا للتغلب على كثير من القداسات الراكدة منذ قرون بنظرهم مصلحيا.

husain.mahadeen@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ماركات عالمية (أردنية)

    الأربعاء 15 أيلول / سبتمبر 2010.
    كلها مكتوب عليها:
    Made in China
    !!!!
  • »من زاوية اخرى. (ابو خالد)

    الأربعاء 15 أيلول / سبتمبر 2010.
    تحليل جميل لمغالبة العولمي للمحلي . بحكم معرفتي لهذا الشارع وبحكم معرفتي لعدد كبير من الاصدقاء والمعارف الذين يرتادونه ,استطعت ان اصل الى نتيجة امبيريقية (empirical result ) ان جاز لي التعبير الا وهي ان هذا الشارع اصبح محجا ومزاراً الى من يهوون ان يظهروا انهم مميزون بلباسهم حتى لو لم تساعدهم امكانيتهم المالية على ذلك واعتقد ان تجار هذا الشارع استغلوا هذا الامر لخلق ما يسمى ال (snob appealing ) أي خصلة الانجذاب التفاخري للأفراد ,ولدلالة على ذلك اعطي مثال حصل معي شخصيا اذ قمت بتسعير قطعة ملابس لدى احد المحال في هذا الشارع وكان السعر مرتفعا وغير واقعي فأظهرت امتعاضي فما كان من التاجر الا ان يبلغني ان سعر هذه القطعة سينزل الى النصف بعد شهر والى الربع بعد شهرين وعندما استفسرت منه عن السبب اجابني ان من يريد ارتداء هذه القطعة اولا وقبل الاخرين عليه ان يدفع اكثر.