ياسر أبو هلالة

نحو تجريم الكراهية

تم نشره في الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010. 02:00 صباحاً

الدرس الأساسي من قصة القس المجنون تيري جونز (ابنته تصفه بهذا الوصف) أن المجتمعات الديمقراطية العريقة مهددة في أي لحظة من قلة مريضة بإمكانها استخدام الإعلام لنشر الكراهية والعنصرية.

لم ينجح القس في تنفيذ تهديده لكنه نجح في تصدر وسائل الإعلام، وغدا على قلة أتباعه عنوانا من عناوين المجتمع الأميركي، وبإمكانه ركوب موجة أي حدث مقبل لتصبح أفكاره المعزولة ذات حضور وانتشار. وهذا ما سبق أن حققه النائب الهولندي العنصري فيلدر.

وبما أن الديمقراطية عندنا "خداج" وليست عريقة فإن تهديد دعاة الكراهية والعنصرية أخطر. وهؤلاء الدعاة سبق لهم أن نجحوا في العراق ولبنان والجزائر.. في إشعال الحرب الأهلية وتدمير النسيج الاجتماعي. ولا يوجد مجتمع بشري محصن أمام هذه الدعوات. فأوروبا تورطت في الهولوكوست بعد موجة من الكراهية ضد اليهود، ولم تكن أدبيات تلك المرحلة تختلف عن أدبيات الحروب الأهلية عندنا، كان الحديث عن أزمات اقتصادية حمل اليهود مسؤوليتها، كان ثمة "هويات قاتلة" ومجتمعات نقية.

الثقة الزائدة بالنفس تساوي الإهمال وقد تكون قاتلة. فقد يقضي مريض بسبب ارتفاع الكوليسترول إن أهمل، وقد ينجو مصاب بالسرطان إن تنبه. ليست دعوة لإثارة مخاوف غير موجودة، ولكنها تحذير من أصوات هامسة قد تتحول إلى جلبة وضجيج. فلا يجوز التساهل مع من يتحدث عن "احتلال" فلسطيني للأردن مقابل من يتحدث عن "تطهير عرقي" للفلسطينيين.

هذه مفردات كراهية وعنصرية تشكل جريمة في أكثر من نص قانوني. ومن يعتبرون هذه حرية رأي هم من في جوهرهم يدافعون عن تخبطات جونز وفيلدر وغيرهما. التسامح مع لغة الكراهية سيجعلها لغة سائدة في حال ركبت موجات الأزمات الاقتصادية والسياسية.

فرق كبير بين اللغة العلمية التي تتعامل مع قضايا حساسة في تاريخنا ومستقبلنا وبين اللغة التحريضية التي تثير الكراهية. لنتحدث عن وحدة الضفتين وأحداث أيلول وقمة الرباط وفك الارتباط وتوزيع الدوائر الانتخابية وسحب البطاقات.. وقد سبق أن نوقشت تلك القضايا بلغة علمية راقية لدى الأكثرية. لكن من يدقق يلاحظ تسلل دعاة الكراهية والعنصرية، وهؤلاء إن تركوا فسيعلو صوتهم ويتحول تحريضهم إلى أفعال مدمرة.

قبل أن تجرم لغة الكراهية في المحاكم يؤمل أن تجرم من الإعلام، فلا تتورط الصحافة سواء كانت تلفزيونية أم مكتوبة أم إلكترونية في إشاعة الفاحشة. هم دعاة فتنة وباحثون عن شهرة ومرضى يحتاجون تدخلا علاجيا. يستحقون الشفقة في أحسن الأحوال لكنهم لا يستحقون القبول أو الاحترام. والسعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل نمتلك ترف الكراهية الان؟ (بردان)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    تعليقاًعلى مقال الاستاذ ياسر ابو هلالة نحو تجريم الكراهية اقول وهل نمتلك أصلا "ترف" الكراهية؟ ببساطة كلنا تحت المزراب!! وأخص بهذه الجزئية النصف الثاني من المقال والذي يتحدث بصراحة مؤلمة عن الواقع الذي يعتمل حالياً وخصوصاً بعض المواقع الاليكترونية التي يبدو انها تتخصص ببث ثقافة و"ترف" الكراهية من خلال مقالات ومقالات مضادة وتعليقات وتعليقات مضادة تصبّ البنزين 95 اوكتان على شرارة البعبع الذي أطلقه شارون "الوطن البديل"!!

    اذاً نحن الان أمام ردّة فعل غبية تجاه فعل خبيث ناتج عن سطحية وضيق افق سياسي وتهتّك مجتمعي محتمل لا سمح الله اذا سكتنا أو تعامينا عن مثل هذه الجرائم, ولهذا اجد لزاماً السير باتجاه تجريم الكراهية كونها هي اخر ما نحتاجه الان!
  • »لنتجاهل السفهاء والمفسدون (ابو رائد الصيراوي)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    كما انه كان من الافضل تجاهل ذلك القس الامريكي وعزمه على احراق القران وكذلك رسام الكريكاتور الهولندي وعدم الانسياق وراء من يريد خلق ازمات بين الشعوب والديانات فلو فعل الناس ذلك لتوارى ذلك القس بكنيسته ذليلا مكسورا ولما حظي بهذا الاهتمام الاعلامي الواسع والذي سيدر علية ملايين الدولارات من المقابلات التلفزيونية التي سوف تجرى معه والكتب التي سوف يبيعها حول الموضوع. الا ان تفاهة كثير من الناس وعقم تفكيرهم واستدراجهم الى التشهير بتلك الامم سيزيد من الاحتقان لتلك الشعوب ضد كل ما هو اسلامي وسينعكس وبالا على المسلمين بكل تاكيد.

    ماذا سوف يحدث لو حرق ذلك القس القران؟ هل سينتهي الاسلام وينقرض المسلمون؟ طبعا لا فلن يعدو الامر سوى ان رجلا مجنونا تافها احرق كتاب الله والله قدضمن الحفاظ على القران كدين للانسانية.
    ما الذي سيحدث عندما يرسم انسان ما تافه كريكاتور عن نبي الله محمد هل سيضحك المسلمون على ذلك الكريكاتور ويستهزؤن بنبيهم؟ طبعا لا . لنترك السفهاء يفعلون ما يريدون فان الاسلام مستمر بالانتشار وهذا ما يخيف الغرب الذي نتبرع نحن المسلمون بقصد او بدون قصد باثارته ضد كل ما هو اسلامي وما الاصرار على الحجاب والنقاب في تلك المجتمعات الا دليلا على عدم ادراكنا ضرورة اعطاء الصورة الحقيقية عن الاسلام وتسامحه مع الديانات الاخرى.

    وهذا ينطبق ايضا على ما اورده الكاتب ياسر ابو هلالة عما يدور من فتن في المجتمع الاردني.. لنتجاهل هؤلاء وبذلك فقط نفشل مخططاتهم الهادمة للمجتمع الاردني اما الانصياع وراء تلك الفتن فسوف يحرق الجميع بدون استثناء مدركين ان قوة ومناعة وازدهار الاردن يكمن بوحدة ابنائه.
  • »مجانيننا ؟؟ (ابو خالد)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    اجتزاء البعض من الكل لتمرير فكرة تجريم الكراهية غير موفق , خلفيتنا الثقافية والتاريخية مليئة بشواهد كره الاخر وبغضه وتسفيهه والدعاء عليه ,فكيف تريد في حيثية صغيرة محلية الطابع ان تلغي الكراهية وتجرمها ؟؟ التسامح الذي تدعو اليه والذي تستطيع استحضار الكثير من الامثلة عليه هو ممارسة فردية في تاريخنا وليس منهجا بينما بغض الاخر وكرهه واعتباره دونيا هو المنهج الذي تدعمه ليس أمثلة تستطيع استحضارها بل نصوص لها صفة القدسية والقطعية . ما تدعو اليه هو مثال واضح على شيزوفيتنا لأننا نسمح لأنفسنا بما نطلب من الاخر عدم ممارسته معنا . المجنون تيري جزنز تم ايقافه عند حده ولجم جنونه لكن من يوقف مجانيننا عند حدهم ويلجمهم؟؟؟ اتمنى ان يكون هذا موضوعا لمقالة قادمة لك !!!
  • »الصحف (أردنية)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    الصحف والمواقع الاخبارية تسعى لتحقيق سبق صحفي ولتحصيل أعلى نسبة قراءة ومبيعات، وفي ظل تنافس شديد بين الصحف لا تتوقع يا أخ ياسر أن تمتنع الصحف عن نشر هكذا أخبار، ولو لم أكن محقة في كلامي لما تصدر خبر القس تيري جونز صحيفتكم أيضاً.
  • »نحو تحريم الكراهيه (محمود)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    هذا المقال اكثر من رائع. اتمنى من الكل قرأة هذا المقال. شكرا للكاتب القدير الاستاذ ياسر ابو هلالة