علاء الدين أبو زينة

اصطفاف مزدوج..!

تم نشره في الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 صباحاً

كثيراً ما يكون الواحد ذاهباً إلى شغله في شارع ضيق تزحمه السيارات على الجانبين، ليجد سيارة مصطفة في عُرض الشارع وقد ترجل منها صاحبها بلا اهتمام، وحتّم علينا أن نصطف طابوراً وننتظر حضرته/ أو حضرتها، حتى يحضر، أو يتكرم سائق خلوق من الجهة المقابلة بالتوقف والسماح لنا بالانسلال.. وتكثر هذه الظاهرة عند المصارف، حيث يوقف "السائق المزدوج" سيارته في عرض الطريق ليسحب نقوداً من الصراف الآلي، أو حتى من على الحاجز داخل المصرف. كما يمارسها بكثافة سائقو التاكسي الذين ينزلون الركاب ويلتقطونهم ويحاسبونهم على أقل من مهلهم في وسط الشارع.. ومع أن فكرة التوقف المزدوج كلها غير مقبولة في الشوارع الضيقة تحديداً، إلا أن المزعج فيها أكثر أنه كثيراً جداً ما يكون هناك متسع للوقوف المريح، من دون ازدواج، على بعد مترين إلى الخلف أو الأمام، أو ربما عشرة أمتار مثلاً..

وغالباً ما تكون السيارات المصطفة من نوع "أربعاً في أربَعِ" 4×4 التي كثرت لدينا لكثرة ما لدينا من البنزين الرخيص. وأحياناً يكون باب السائق مفتوحاً ومن دون تشغيل الضوء الرباعي ليشعرنا بأن الوقوف طارئ ويلمح بالاعتذار. وربما يحس صاحب هذه السيارة العالية التي تعطي شعوراً بالعلو بأنه صاحب حق في امتلاك الشارع لبعض الوقت، وبأنه لم يدفع ثمن هذه السيارة الغالية حتى يمشي عشرين متراً أو عشرة أمتار، أو حتى مترين إذا ركن سيارته أبعد أو أقرب من باب المصرف أو البقالة..

وتذكر قصة الاصطفاف المزدوج هذا بالوقوف المقصود أمام أبواب "الكراجات" الخاصة. ولي معها قصص كثيرة، آخرها في العيد.. فقد ذهبت لزيارة أقارب لديهم مرآب له باب واضح ووراءه سيارات ظاهرة من الباب النفاذ تقول إنه "كراج خاص". ومع ذلك، أوقف أحدهم سيارته أمام الباب ولو بوجود مكان فسيح للاصطفاف على بعد أمتار قليلة. ومن باب الضيافة، أصر أصحاب البيت على استضافة سيارتي، بينما فكرت ببعض اللؤم في ترك سيارتي مصطفة خلفه حتى يخرج للبحث عمن يغلق عليه الطريق.. وبعد أن بحث مضيفيّ عن البيت الذي يحل فيه صاحب السيارة وطلبوا فتح الطريق، جاء "الضيف" بعد ربع ساعة متثاقلاً، ومنتفخاً على نحو يوحي بالعظمة والأهمية. وبالطبع، لم يتكلف عناء الاعتذار أو المبادرة بتحية العيد، على الرغم من الثلاثة الواقفين في انتظاره. وعندما علق أحدنا بأن هذا نوع من طباعنا نحن الأردنيين، تساءل بلهجة استدعاء للشجار: "مالنا نحن الأردنيين؟"، ولحسن الحظ، لم يردّ أحد منا حتى لا يتطور الموقف فينزع العيد. ولم تكن سيارة صاحبنا ذي "السكسوكة" فخمة رباعية الدفع، ولم يكن ضخماً مهيباً، وإنما كان هو خماسي الدفع أو سداسيه فيما يبدو..! وكم اضطر بعضنا للذهاب إلى العمل في سيارة أجرة لأن أحداً أغلق باب "الكراج"، ودائماً مع وجود مساحات كبيرة فارغة للاصطفاف في الجوار القريب.

"الاصطفاف المزدوج"، مع عدم وجود ضرورة لهكذا اصطفاف، تعبير عن مزاج عام.. ويبدو أن الكثيرين يحبّون إغلاق الطريق على غيرهم وفرد صدورهم وأذرعهم لحجز أكبر مساحة ممكنة من الطريق، فقط لمجرد سد الطريق حتى لا يمر الآخرون.. وتنسحب الظاهرة على مسائل أخطر، لتطال طبائع الشخصية الجمعية وسياسات الدول. ويغلب اليوم أن لا نعرف للناس ظهراً من بطن لأنهم يعرضون غالباً نمطاً مزدوجاً وأكثر من الفكر والسلوك، فلا ندري هل الواحد متزمت أم ليبرالي، منفتح أم منغلق، شرقي الهوى أم غربيه، مع العرب أم مع "إسرائيل".. وهكذا..! وما أكثر ما تتغير المواقف بتغير الموقع ووجهة الريح، فيصبح نصيرك بالأمس نقيضك اليوم، ومحاميك في الصباح قاضيك والمدعي عليك في المساء. أما الثابت، فهو عدم الثبات وازدواج الازدواج على شكل متوالية هندسية، حتى بات أفضل مديح يمكن أن نسمعه: "والله أنت لم تتغير".. والتغير في الأصل حالة إيجابية وطبيعية. أما الانقلاب الجذري على المبدئي وفي اتجاه هابط، فلا أدري ما هو..

ربما لن نتخلص من ظاهرة "السائق المزدوج"، إلا إذا تعافينا من فصام "الإنسان المزدوج" جملة وتفصيلاً، وعلى الله الاتكال..!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أخيرا والحمد لله (jalal judi)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    كل يوم يتحدث الكثير من الناس في نفس الموضوع ونحن نسأل هذا السؤال المهم جدا: ما هي مصلحة أصحاب القرار في أن يبقي الناس يلومون ويشتمون بعضهم بعضا يوميا؟ نعم ما نراه في الشوارع يوميا يدل على أن أصحاب القرار يعلمون ما يجري يوميا ولكن أريد من القراء الأعزاء إجابتي على سؤالي وشكرا جدا جدا لكاتب المقال وأرجوا منك الاستمرار في الكتابة عن هذا الموضوع ... الذي يحدث عندنا
  • »لا تربيه لا قانون (ابو السعود)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    المشكله في غياب الوازع والرادع والوازع هنا اخلاقي صرف لان الاصطفاف المزدوج يكون بالغالب يكون امام المساجد وعندما يحصل الخطا لا بد من العقاب وصدقوني عندها, سيمشي هؤلاء مثل التوتو ..
  • »صباحك سكر (ملك)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    المشكله ايضا تكمن في قله صبرنا ولا مبالاتنا فعدما نصادف اصطفافا مزدوجا او تاخر في الخروج عند انطلاق الاشاره الخضراء..لا تلبث زوامير السيارات ان تنطلق معلنه سخطها على الدنيا والبشر وكل ما يدور حولها.. بالاضافه طبعا الى حالات من التلفظ الغير لائق بالفاظ لن اتكلم فيها ..جميل ان نلتزم بالقوانين ولكن الاجمل ان نلتزم بالاخلاق والصبر..فما اجمل ان نلتزم خلقاوصبرا وليس فقط لاجل القااانون...سيدي العزيز كل عام وانت بالف خير الى لقاء في مقاله اخرى رائعه...عذرا للاطاله..ملك
  • »تهديد بالحرق! (عزيز)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    حادثة اتذكرها وان لم تحدث معي شخصيا ... عندما هبت عائلة لنقل ابنها المريض الى المستشفى وفوجئت أن "طالبا" في الجامعة قد وقف بشكل مزدوج وأغلق عليهم الطريق! وذهب لحضور محاضراته! فقط قاموا بنزع الإطارات بالكامل ... وهددوا بحرق السيارة اذا كرر العملية!
  • »الفصام (أردنية)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    أتفق معك في نظرية الفصام التي تعاني منها شعوبنا، وأضرب لك مثلا صغيراً، لو أن ذلك الضيف الذي أغلق عليكم الطريق قد قام أحدهم بإغلاق الطريق عليه في اليوم التالي لرأيته يشتم ويلعن الناس على قلة تهذيبهم وانعدام أخلاقهم!
  • »اقتراح (Rafat)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    مقالة رائعة.
    نحن في الامارات و خصوصا في أبوظبي نصطف ونحجز سيارات الآخرين بشكل يومي، ولكن من المتعارف عليه أن يتم وضع رقم الهاتف الخلوي واضحا لكي يتم الاتصال بصاحب السيارة ويحضر بسرعة مع التحية والاعتذار من الطرفين (شيء رائع)
    و اذا نسي وضع الرقم، فيتم الاتصال بالشرطة التي بدورها تتصل على صاحب السيارة (الأرقام مرتبطة بالرخصة) ويتم بعث دورية للمخالفة وشاحنة لسحب السيارة (أخيرا)
  • »mumtaz (mohab)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    يا اخي الكريم...ولله انك فشيت غلي... فعلا اسوا ما نتعمل به هو قانون السير و السيارات و الشوارع. اصطفاف مزدوج امام محلات القهوة و الحمص و الفول و المولات.. ماهو اصلا غلط تطلع المولات في وسط العاصمة .. كل الازمة بشارع المدينة المنورة و المديتة الطبية.. وين التخطيط يا امانة عمان
  • »العالم العربي : لسنا سواسية كأسنان المشط... (إيهاب القعقاع)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    سيدي...
    كل عام و أنت بألف بخير...
    نفس هذا الشخص "أبو السكسوكة" و "سداسي الدفع" إذا كان في دبي أو أوروبا أو أمريكا الشمالية يوقف سيارته على بعد 200 متر و أكثر من مكان غايته و لا يجرؤ على الوقوف بشكل مزدوج و لو حتى لخمس ثواني ، لأن هذه البلدان تحترم و تقدس القوانين و لا تفرق بين الناس على أساس مناصبهم و سياراتهم و أنسبائهم و لون عيونهم...هنا في كندا مع أنني عربي و مسلم إلا أنني و الله العظيم (و بدون مبالغة) أحس بأنني أنا و رئيس الوزراء (أعلى سلطة في كندا) سواء بسواء أمام القانون و أننا سواسية كأسنان المشط ، أحس أن لي نفس حقوقه و أنه ليس أفضل مني و أنا لست افضل منه و لا بأي شيئ إلا بالعمل و الجهد.
    طبعاً يقع دور كبير أيضاُ على الشخص نفسه من ناحية التربية التربية و التنشئة و الأخلاق ، و دور الدولة هو أن تطبق القانون على الجميع.
  • »): (aboimado)

    الثلاثاء 14 أيلول / سبتمبر 2010.
    لو انه هناك قانون صارم ولا يوجد محسوبيات لكان الوضع غير. ومن جهة ثانية الدنبا اخلاق يا سيدي وللاسف هي شحيحة جدا.