ياسر أبو هلالة

بترايوس .. نموذج للنضج الأميركي

تم نشره في الخميس 9 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 صباحاً

المشكلة ليست في القس المعتوه تيري جونز الذي يعتزم إحراق القرآن الكريم، بقدر ما هي في ظاهرة التحريض على الإسلام. فتلك غدت سياسة عامة تبدأ بالتحريض على المتطرفين أو الحركات الإسلامية الجهادية أو السلفية، وتنتهي بالتحريض على الدين ذاته.

في أميركا؛ تتواصل مفاعيل تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر إلى اليوم. وهي تقود باتجاهات متناقضة متغيرة لا يعرف أين ستستقر. أحد تجلياتها تخبطات القس المعتوه، صحيح أنه معزول ومنبوذ ولا يمثل حتى الكنيسة المتصهينة، إلا أنه يعبر عن ظاهرة التخويف من الإسلام التي غدت تجارة سياسية رابحة.

القس وحده لا يشكل خطرا، الخطر عندما يأتي في سياق حملات "حزب الشاي" على أوباما والتي تتهمه بأنه يخفي إسلامه، وفي الحملات المضادة لبناء مسجد قرطبة في الطابق صفر (المكان المتبقي بعد تفجيرات البرجين)، وتلك حملات يخوضها سياسيون جمهوريون مرموقون مثل رئيس مجلس النواب السابق جينجرش ومرشحة نائب الرئيس السابقة سارة بيلين.

في المقابل يلمح نضج في المواقف الأميركية، ويعبر عنها بشكل واضح الموقف المضاد لإحراق المصاحف والذي تكاتفت فيه جهود الإدارة والجيش والتيار العام للكنيسة وغيرها من مؤسسات مدنية وسياسية. واللافت فيه بشكل واضح موقف الجنرال بترايوس قائد المنطقة العسكرية الوسطى، أي الذي يخوض معركة أميركا على العالم الإسلامي.

اعتبر الجنرال أن ما يفعله القس يعرض حياة جنوده للخطر "الأمر سيهدد في الوقت نفسه حياة الجنود والجهود الدولية"، وأضاف "يمكن أن يؤدي الى مشكلات كبيرة، ليس هنا فقط انما في كل انحاء العالم، إذ نحن موجودون في مجتمعات إسلامية". والتصريح ليس مفاجئا، فقد نضج الجنرال على وهج النار في العراق وفي أفغانستان، وهو وقف في الكونغرس وقال إن حل القضية الفلسطينية مصلحة للأمن القومي الأميركي. فالجنرال بحسب ما يروي أحد مستشاريه أدرك في العراق حجم الترابط في قضايا المنطقة، فقد كان يستغرب كيف يجمع الفرقاء العراقيون على ما بينهم من دماء على القضية الفلسطينية.

نظرية ترابط قضايا المنطقة والعالم يؤيدها عسكري محترف مثل بترايوس، ويعارضها بشدة، باحث صهيوني مثل روبرت ساتلوف الذي يؤمن بعزل القضية الفلسطينية والتعامل بالقطعة مع مشاكل العالم لإسلامي. والفرق واضح بين عسكري نزيه دفع الثمن من دماء أقرب الناس إليه وبين باحث انتهازي يقبض ثمن تزوير الوقائع.

قائد المنطقة الوسطى قاتلنا في العراق ويقاتلنا في أفغانستان، تماما كما قاتلناه، لكنه أقرب إلى فهم قضايانا من السياسيين الأميركيين الذين ينظرون عن بعد أو على أعينهم غشاوة من مصالح انتخابية ضيقة.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »متى يقف باتريوس مع القس جونز! (خالد الشحام)

    الخميس 9 أيلول / سبتمبر 2010.
    شكرا للكاتب ابو هلالة على نظرته المتوازنة للأمور والعقلانية التي يعالج فيها القضايا المطروحة
    يجب أن ننتبه أن وجود مسألة ( النضج ) لدى الطرف الأمريكي والجنرال باتريوس في التعامل مع هذه المسألة ويشاركهم في ذلك الكثير من الرموز الغربية والعالمية لا تعني بأية صورة من الصور قيمة للقضية العربية أو الاسلامية أو فائدة أو تعاطفا يصب في مصالح الأمة في وجه هذه الهجمات ، ولا يجب أن ننظر لها بعين الراحة أو تخفيف للمخاوف التي نشعر بها وسط عاصفة الشحن ضد الفكر الاسلامي ، هذا الرجل وما يمثله من قومه لا يلتفت سوى لما يحقق أهدافه كعسكري أو كوطني أو حتى كسياسي فإذا اعتبرنا ما أدلى به حول القس جونز دفاعا غير مباشر عن قضية تهمنا فإنه بالجهة المقابلة يعرف أن تدشين عملية الحرق ستعني مزيدا من القتلى الامريكيين في بلاد الغربة و مزيدا من الهجمات المسنودة بالدافع الفكري قبل الشخصي وهذا أخطر ما يمكن أن يفكر به قائد مثله فهو يعلم تماما أن من يحاربه استنادا لعقيدة جريحة أخطر ألف مرة ممن يقاتل لأجل استرداد حقوقه الوطنية في بلد محتل ، ثم لماذا تسكت اصوات هؤلاء ويغيب النضج في القضايا الأكثر خطورة والأكثر حرجا بينما يظهر صوت الانسانية والعقلانية عندما تظهر الفقاعات الاعلامية المناسبة ؟ اين كانت اصواتهم عندما حصلت المذابح والقتل الجماعي للناس في غزة والعراق وافغانستان والصومال ونيجيريا وهنا وهناك تحت مسميات عرقية أو دينية او سياسية ؟ ثم أليست أيديهم ملوثة بالدماء من كافة الجنسيات وكافة الأديان في كل بقاع الأرض ؟ في نهاية انفاقهم الفكرية ما يقال من افواههم هو ما يحقق مكاسبهم بشتى صورها حتى لو كان جزء من ذلك يتفق مع رغباتنا أو يوازي مصالحنا الفكرية أو الدينية وفي اللحظة الحاسمة تأكدوا تماما لو أن سياق ذات المصالح تغير لكان باتريوس سيقف مع القس جونز ويشاركه اثمه في حرق القرأن ولو قدرأن تتغير مجريات الأحداث والمصالح فلربما كان الكتاب المقدس سيكون مشروع الحرق القادم !
  • »تصريحات امريكية (amal alkhaledy)

    الخميس 9 أيلول / سبتمبر 2010.
    احب ان اشكر الكاتب على هذه المقالة وان اضيف بعد اذنه .....
    أنه لأمر مطمئن جدا وجود اعتراف من قادة عسكريين أمريكيين تقر بأن السياسات الأمريكية في الحرب على الإرهاب نؤدي الى المخاطرة باستقرار الدول الاسلامية التي نؤيدها في هذه الحرب اذ انه من شأن هذه التصريحات تخفيف مسا عي المسؤولين الامريكين الموالية للصهيونية وإحباط محاولاتها في توسيع نطاق الحرب على الإرهاب كما تدعي أمريكا لإعادة صياغة موازين القوى والمصالح في منطقة الشرق الأوسط أيضا تعود مثل هذه التصريحات باعتراف أكثرية من بين قادة الرأي الامريكين الاحرار بأن تاييد بلادهم لاسرائيل يولد الكراهية لامريكا في داخلها وخارجها.
    ولكن السؤال هل من الضروري دائما ان تأتي هذه التصريحات حتى التي تعارض الحرب على الإرهاب من داخل امريكا وان نستوردها كبقية المنتجات الامريكية لانها صناعة امريكية 100% وبالتالي تصدق ان الحرب على الاسلام هو امر يهدد عقيدتنا وقيمنا واستقرارنا
    والشيء المحزن اليوم من الجانب العربي والاسلامي هو عدم قيام الدول العربية والجالية العربية الإسلامية في قلب امريكا في التصدي لاتخاذ يوم الحادي عشر من ايلول يوم لاحراق نسخ من القران الكريم وعدم قيام تكتل عربي ذو سياسة وإرا دة لمواجهة هذه الحرب ضد الإسلام
  • »نموذج للنضج؟ (عمر)

    الخميس 9 أيلول / سبتمبر 2010.
    الرجل عسكري محنك بكل بساطة، والا ما صار قائد في اكبر جيوش العالم! موضوع فهمه لقضايا الشرق الاوسط يعتبر من البديهيات والا لما كان هناك داع لوجوده كقائد في هذه المنطقة!

    اذا كنا خائفين من نظرة الامريكيين والعالم لنا كارهابيين عنيفين، السؤال الذي يجب ان يطرح هو ماذا فعلنا منذ 9 سنوات لتكريس صورة معاكسة؟ قررنا بناء مسجد مكان الانقاض!! وكاننا نقول لهم "سندمر حضارتكم ونقيم فوقها المساجد" ثم وقفنا حائرين لماذا يخرج من يريد حرق المصحف!

    المسالة ذات بعدين فكما لم يفهمونا، لم نستطع نحن ان نفهم اساسيات التتفكير والمنطق الغربي، لكن الحق يقال ان الغرب فهمنا اكثر مما فهمناه، واذا اردت التاكد قم بترجمة مقالك هذا واعرضه على اي امريكي واطلب رايه في الكاتب