عن الحرب واللاحرب في الشرق الأوسط

تم نشره في الاثنين 6 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 صباحاً

يوشك صيف العام 2010 على الرحيل، ذلك الصيف الذي ما فتئ الكثيرون يسمونه بـ"الصيف الساخن". حينها كان الحديث عن حرب على لبنان، وأخرى متعلقة بضربة عسكرية إسرائيلية لإيران، وثالثة تتعلق بعملية عسكرية إسرائيلية في غزة.

اللافت للانتباه في كل حديث عن الحرب في الشرق الأوسط هو أنها حرب يراها الآخرون أولوية ضرورة لأمنهم وليس لأمن أهل المنطقة، الحرب على العراق شنت حين رأت الولايات المتحدة وبريطانيا ومن يسمون بأعضاء التحالف بأن "العالم أكثر أمنا من غير صدام". في الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان في العام 2006 لم تخف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل حرصهما على التخلص من حزب الله ونفوذه في لبنان، وعندما تعذر ذلك كانت قوات اليونيفيل الحل لحماية إسرائيل من جهة وتكبيل حركة حزب الله العسكرية من جهة أخرى.

الحديث عن حرب قادمة في المنطقة بسبب برنامج ايران النووي فيه تجاهل وانعدام للنضج السياسي في فهم مبررات الحروب في منطقة الشرق الأوسط، فالحرب على العراق على سبيل المثال كان يجب أن تقود إلى شرق أوسط مستقر، ونموذج ديمقراطي يحتذى، فماذا كانت النتيجة؟ إن قرار الحرب لم ولن يكون مرتبطا بمصالح أهل المنطقة، وهذا يدعو للقول إن حربا قادمة سيكون آخر الأسباب المقنعة هو برنامج إيران النووي، فهناك مبررات وأسباب يمكن النظر لها بعين الجدية.

التنمية الاقتصادية التي شهدتها دول عربية والتغيرات الاجتماعية التي تدفع نحو تغير بطيء في المناخ السياسي والاجتماعي يمكن أن تكون سببا كبيرا لحرب قادمة، فالحرب تدمر الاقتصاد في المنطقة، لكنها قد تنعش اقتصادات دول في الخارج.

الحرب (وما بعدها) تدفع باتجاه التضييق على الحريات وسيادة القبضة الأمنية، الأمر الذي يعيد تلك المجتمعات إلى المربع الأول من حيث التنمية السياسية والاقتصادية. قد يقول قائل عن أي تنمية سياسية واقتصادية نتحدث؟ الجواب الصحيح هو أن التنمية الاقتصادية والسياسية تبدو متعثرة، لكن الثابت أنها موجودة وبطيئة.

الحرب تدفع الدول للهرولة باتجاه أن تكون دولا فاشلة، بعبارة أخرى أصبح من متطلبات الانضمام إلى نادي الدول الفاشلة أن يكون هناك حرب. فظاهرة الدولة الفاشلة التي تتزايد في العالم اليوم مرتبط ظهورها بنتائج الحروب والصراعات، لذلك قلما يمكن الحديث -إن لم يندر- عن قيام دول متعافية بعد حرب أو صراع عسكري. الأخطر في مسألة الحروب وما تتركه من نتائج هو أنها تفرض نوعا من الاستبداد ربما يكون أسوأ من أي وضع قائم قبل أي حرب.

المتبصر في تاريخ أوروبا الحديث يلمس بوضوح الإدراك العميق لمساوئ الحروب، فمنذ الحرب العالمية الثانية حرصت أوروبا على أن لا يتطور أي صراع ضمن جغرافيتها السياسية إلى حرب، لأن ذلك ببساطة كان سيقود إلى تدمير كل ما بنته أوروبا من اقتصاد وتنمية، ونفس المشهد يتكرر في جنوب آسيا، فالعلاقة الصينية اليابانية، والصراع على تايوان لم تدفع باتجاه حروب وتوترات كتلك التي نشاهدها في منطقة الشرق الأوسط.

حديث الحرب واللاحرب سيستمر في المنطقة نظرا لطبيعة جغرافيتها السياسية وثرواتها، لكن الشيء الذي يجب تذكره أنه مهما تعالت الأصوات منتقدة حصول مواجهة عسكرية أخرى فإن ذلك لن يؤثر في قرار تلك الدول التي تعرف مصالحها وأمنها من خلال الحروب، فهي- القوى- ببساطة في حالة حرب من أنواع أخرى ومستمرة لعقود مع هذه المنطقة وإنسانها وثرواته، وما بقي ربما هي الشعرة التي ستعين في تعريف العدو من الصديق؟

mahjoob.zweiri@alghad.jo

التعليق