ما هو المستوى الآمن للدين العام؟

تم نشره في الأحد 5 أيلول / سبتمبر 2010. 03:00 صباحاً

رغم أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي تعتبر من أهم المؤشرات الاقتصادية، فإن الأدبيات الاقتصادية لا تتفق على نسبة معيارية يمكن استخدامها لتحديد المستوى الآمن لهذا الدين! وبالتالي فليس من السهولة بمكان القول بأن حجم الدين في فترة ما أصبح يشكل خطرا على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين، أو أنها أصبحت على وشك الإفلاس!

ففي الوقت الذي تشير فيه بعض الدراسات إلى أن النسبة الآمنة للدين العام إلى الناتج المحلي في الدول الناشئة تقدر بحوالي 35 %، وان هذه النسبة تتراجع لتصل إلى 15 % فقط إذا كان للدولة المعنية تاريخ في عدم القدرة على السداد أو في تسجيل معدلات تضخم عالية، فقد أشارت دراسات أخرى إلى أن هذه النسبة لا تعد مؤشراً كافياً وحدها.

إذ عجزت المكسيك عن سداد ديونها في عام 1982 وتسببت في إطلاق شرارة ما سميّ "بأزمة التكيلا"، أو أزمة المديونية في دول أميركا الجنوبية، في وقت لم تتجاوز فيه النسبة المذكورة في المكسيك 47 %. كما وقفت الأرجنتين عاجزة عن سداد ديونها في عام 2001 عندما كانت النسبة المذكورة بحدود 50 %! وليس هذا فحسب، بل تظهر البيانات التاريخية أن 16 % من حالات العجز عن السداد في الدول الناشئة خلال الفترة 1970-2008 كانت في دول تجاوزت فيها النسبة 100 %، في حين أن ما يقارب 52 % من هذه الحالات حدثت في دول كانت النسبة فيها أقل من 55 %!

وعلى النقيض من ذلك، نجد أن دولاً أخرى تسجل نسبة المديونية فيها معدلات مرتفعة ولكن اقتصاداتها ليست معرضة للانهيار، على الرغم من أن الأوساط الاقتصادية تنظر إليها بشيء من القلق! فعند كتابة هذا المقال كانت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي في اليابان والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا 205 % و 92 % و 82 % و 81 %، على التوالي! أما اليونان، التي عانت مؤخرا من عدم القدرة على تسديد ديونها واضطر الاتحاد الأوروبي إلى إنقاذها من خلال تقديم المزيد من القروض، فتبلغ فيها هذه النسبة 128 %!

وبالتالي فإن هناك عوامل أخرى يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند الحديث عن المستوى الآمن للدين العام، يأتي في طليعتها هيكل الدين العام من حيث آجال الاستحقاق والعملة والمصدر، وحجم الاحتياطيات الرسمية من العملات الأجنبية، وهيكل المالية الحكومية، وقدرة الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، وحصافة الإدارة الحكومية، والقدرات المؤسسية للدوائر الاقتصادية ذات العلاقة، إلى جانب الشفافية في إعداد ونشر البيانات الاقتصادية لما لها من أثر على سلوكيات المسؤولين وقدرتهم على اتخاذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب.

ومع ذلك فإن العديد من الدول اتجهت إلى تحديد نسبة معينة لا يجوز تجاوزها بهدف ضبط العجز وتحقيق الاستقرار المالي. فعلى سبيل المثال حددت اتفاقية ماستريخت هذه النسبة في دول الاتحاد الأوروبي عند
60 % وكذلك الحال في الأردن حسب قانون الدين العام لسنة 2008. ورغم ذلك فإن واقع الحال يشير إلى أن عددا من الدول الأوروبية قد تجاوز هذه النسبة نتيجة تبعات الأزمة المالية العالمية!

tayseer.alsmadi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دراسة الإدخار القومي والعجز المالي لتحديد مستى آمن للمديونية (رامي أبوعلي)

    الأحد 5 أيلول / سبتمبر 2010.
    بات الحديث عن حجم إجمالي المديونية العامة ونسبتها إلى إجمالي الناتج القومي للبلاد مدار بحث وجدل ما بين نخب إقتصادية ومالية تحاول جاهدة تشخيص الواقع الإقتصادي الوطني الحالي ما بين كونه مقدمات أزمة أو الأزمة هي حالة قائمة منذ عامين على الأقل، ويبو أن الجميع متفق على أن السياسة المالية هي المدخل لتحقيق الإستقرار الإقتصادي في مواجهة الأزمة الإقتصادية العالمية.
    تشير التوقعات المبنية على تحليل إحصائي إلى نسبة إجمالي المديونية العامة إلى إجمالي الناتج القومي لدول منظمة التعاون والتطور الإقتصادي إلى إرتفاع هذه النسبة إلى مستوى يقارب 100%، بزيادة 25% على الأقل من مستوى العام 2009، علماً بأن ذات النسبة بقيت مستقرة نسبياً ما بين %60 – 80% منذ العام 1992 وحتى سنة 2008، وتؤكد دراسة لبنك التسويات الدولية بأن الأمة اليابانية سوف تكون مدينة بثلاثة ين مقابل كل ين تنتجه، وبتعبير إقتصادي فإن إجمالي المديونية العامة لليابان سوف تصل إلى 300% من الناتج القومي الإجمالي في العام 2040، في حين أن المملكة المتحدة سوف تصل فيها ذات النسبة إلى 200%، ولن يكون وضع الولايات المتحدة الأمريكية بأفضل حيث ستصل ذات النسبة إلى ما يقارب 150%، والمهم من كل هذه النسب حسب الخلاصة التي توصلت إليها دراسة بنك التسويات الدولية بأنه وعلى الرغم من التخفيض الهيكلي للعجز في الموازنات العامة، إلا أن الدول سوف تستمر بتمويل العجز بإصدار أدوات مديونية جديدة وأن الرصيد بالضرورة مرشح للزيادة.
    أما الآثار السلبية التي قد تنتج عن التوجه العالمي للدول في سياساتها لزيادة مستوى المديونية إلى إجمالي الناتج القومي فيتمثل بأن الزيادة المتوقعة في الإقتراض العام لا يرافقه زيادة في معدلات الإدخار القومي، وهنا سوف تؤدي هذه الفجوة إلى رفع الكلفة التمويلية للقطاع الخاص، وبالتي من الممكن أن تترتب حالة كساد إقتصادي، وتصبح أزمة المديونية العلمية التي وقعت في العام 1982 مرشحة لأن تظهر مجدداً وربما تتخذ مظاهر أكثر تطرفاً.
    من المخاطر التي قد تنشأ نتيجة لإرتفاع قيم ونسب المديونية العامة ما يمكن تسميته بفقدان الأسواق للثقة نتيجة للنمو المضطرد في حجم المديونية وفي العجز المالي، مما قد يتسبب بتفشي حالة من الكساد العالمي غير محددة الآثار، واليوم فإن كلفة تبادل تعثر أدوات الدين لدولة كاليونان إرتفع بما يقارب 3% وهي نسبة تهر جانباً حول مدى شدة العقاب على الدول التي تتوسع في تمويل العجز المالي بمزيد من الإستدانة.
    السلطة التنفيذية راغبة اليوم في التوجه إلى الأسواق الدولية لأسباب عدة، وهنا فإن البلاد أمام حاجة أخلاقية لتعديل قانون الدين العام برفع نسبة إجمالي المديونية إلى الناتج القومي الإجمالي تدريجياً إلى 75% على مدى السنوات الخمس المقبلة، كون أن إنتهاك قانون الدين العام لا ينص على عقوية، إلا أن إلتزام الإدارة التنفيذية بإحترام النسبة هو بالضرورة إلتزام أخلاقي وأدبي تجاه دافعي الضرائب، أما فيما يخص التوجه إلى أسواق الإئتمان الدولية فإن دراسة أثر هذا التوجه على التقييم الدولي للمخاطر السيادية قد يجد إنعكاساً مستقبلياً على معدلات الفائدة على أدوات المديونية الداخلية، لذا فإن النظر إلى إرتفاع حجم الإحتياطي من العملات الأجنبية بإعتباره عبء على الدولة يحتاج إلى إعادة التقييم، وإبقاء الكفة الأرجح للمديونية من خلال أدوات الإستدانة الداخلية.
    صحيح ليست هنالك معايير محددة يمكن أن تحكم حجم الدين العام الأمثل لناتج أي دولة، لكن قراءة هذه النسبة يجب أن يترافق مع القراءة الإقتصادية للتوسع أو الإنكماش في نسبة العجز المالي إلى ذات الناتج، بالإضافة إلى النمو أو الإنخفاض في معدلات الإدخار القومي يمكن أن تساهم في أن التوسع بتمويل العجز المالي بالإستدانة له ما يدعمه أو يدعو للقلق منه في ظل المؤشرات الأخرى.