د.أحمد جميل عزم

"ما بعد الفصائل.. ما بعد الحداثة"

تم نشره في الأحد 22 آب / أغسطس 2010. 02:00 صباحاً


بالنسبة لقراءتي الذاتية فإنّ يوم 2 آب 1990 هو يوم فاصل في تاريخ الكفاح المسلح الفلسطيني وفصائل منظمة التحرير، فبعده، أي بعد دخول صدام حسين الكويت، تغيّرت أمور كثيرة وبدأ الاتجاه للعملية السياسية، وتوقفت فكرة الإعداد العسكري للأفراد خارج فلسطين، كما أدت اتفاقيات أوسلو لعودة مركز العمل الفلسطيني للداخل وتهميش ساحات الشتات.

لكن من ناحية ثانية فإنّ العالم كله شهد حينها زلزالا بانتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي ودول الأحزاب الاشتراكية.

يعرف القرن العشرون بأنّه قرن "فكر الحداثة". وبحسب هذا الفكر، ساد الاعتقاد بوجود أيديولوجيات كبرى تصف طرق الخلاص البشري والقومي. وكانت الأحزاب هي الإطار الذي يمتزج فيه البشر بهذه الأيديولوجيا بأنواعها الماركسية والعلمانية والدينية. ثم جاء عصر وفكر "ما بعد الحداثة" حيث رفض فكرة الأيديولوجيات الجامعة المخلّصة للبشر، ورفض أنّ هناك قوانين للحياة الاجتماعية والسياسية. وبموجب هذا الفكر أصبح ينظر للمجتمع باعتباره أفرادا وأشخاصا ومواطنين وأصبحت القضية هي حقوق الإنسان والمجتمع من فئات وأقليات ومزيج لا يمكن فهم حركته وفق قوانين موحدة شاملة. بل هناك عوامل متداخلة، وبحسب هذا الفكر فإنّ الأيديولوجيا وهم. تراجع دور الأحزاب في كل العالم، وتراجع في عالمنا العربي كثيرا. أصبحت الأحزاب طائفية، وقبلية، ومرتبطة بشخص واحد، وبالمال السياسي. وأصبحت منظمات حقوق الإنسان والمرأة، والبيئة، ونشر الديمقراطية، ومراكز الأبحاث، وغيرها بديلا للأحزاب. انقسم الحزبيون والناشطون بعيدا عن الأحزاب.

بنظرة "حداثية" تبنى الفلسطينيون في الماضي أيديولوجيات عديدة، فتبعوا ماركس ولينين وماو وتروتسكي وسارتر وحسن البنا وسيد قطب وتقي الدين النبهاني وغيرهم، واتبعوا الأيديولوجيا الوطنية ممثلة في حركة "فتح". أصروا حينها على الأيديولوجيا والفكر الخلاصي الجماهيري الجامع.

بنظرة "ما بعد حداثية" حل الآن عصر الفرد، والعولمة، والإنترنت، والفيس بوك. وفي زمن المجتمع المدني وحقوق الإنسان، عاد الفلسطينيون وفصائلهم وأحزابهم وانقسموا وانتظموا في حملات متعددة: ضد الجدار، ولحركة العبور من وإلى الضفة الغربية، ولفك الحصار عن غزة، ولإنقاذ الأغوار، ولمساندة البدو في النقب، أو لبناء المكتبات، وللعون الطبي، ولتدريس الفلسطينيين من أميركا اللاتينية اللغة العربية، ولتقديم معلومات وإعلام للعالم في "انتفاضة إلكترونية"، ولحماية الثوب الفلسطيني...إلخ. هناك عوامل ذاتية فلسطينية وعربية لهذا التحول، مثل فشل الفصائل في التحرير وحالات فساد وترهل وجهوية و...إلخ، ولكن هناك عوامل كونية محيطة عامة. بدل الحديث عن أيديولوجيا الخلاص صرنا نتحدث عن خطوات وأهداف محدودة متخصصة لجمعيات غير حكومية (عصر الـ NGOs).

هناك تراجع للأيديولوجيا والأحزاب حول العالم، وهناك فكر جديد ما بعد حداثي (يوجد من يبشر بما بعده). ولكن الإشكالية التي تحتاج لنقاش هل وكيف يمكن أن ينجح هذا التوجه في إطار حركة تحرر وطني؟. الفصائل غائبة عن التفكير في جوهر المرحلة وطبيعتها. ففصائل منظمة التحرير انكفأت على نفسها، فإمّا أنها تحولت لحزب حاكم، كما في حالة "فتح"، أو يسار مكابر يعيش على أمجاد الماضي. والفصائل الإسلامية ولأسباب متعددة لا تعمل على تأطير الجمهور وتنظيمه خارج فلسطين، سوى باستثناءات محدودة ولأهداف محددة. وكثير من الإسلاميين ناشط في منظمات مجتمع مدني، لها علاقة ما مع الفصائل ولكنها علاقة غير عضوية.

من المشكوك به أنّ منظمات المجتمع المدني هذه، والحملات المتناثرة لقضايا مبعثرة هنا وهناك، تصلح أن تكوّن حركة تحرير. ولكنها هي من يستقطب الآن الطاقات الشابة وحتى الفصائلية السابقة. هناك حاجة لتفكير دقيق في كيف يمكن أن يكون هناك حركة تحرير في عصر ما بعد الحداثة؟ وكيف يمكن جمع شتات هؤلاء الناشطين في استراتيجيات تحرير موحدة، وربما التوفيق بينها وبين الفصائل. وربما تطوير الفصائل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نهاية الأيديولوجيا، بداية الميثودولوجيا (إسماعيل قطيفان)

    الأحد 22 آب / أغسطس 2010.
    دكتور أحمد

    مقالك في الصميم، وأذكر أن صلاح الدين الجورشي وعلي حرب كان لديهم نفس النظرة أيضا: النمو والنضج الاجتماعي - وهو نسبي يختلف من مجتمع لآخر - يغير الوعي الجماعي نحو فقدان الثقة يالأيدولوجيا (ومستغليها أو محتكريها) وبوادر إحلال المنهجية أو جماعات الضغط مكانها لفاعليتها وعدم ارتباط برامجها - في بعض الحالات- بأجندات غير معلنة وعدم سعيها للسلطة بل رغبتها بالتغيير في قاعدة الهرم

    والأمثلة شبه غير الملوسة في عالمنا العربي هي نجاحات حزب الله كمؤسسة عمل اجتماعي في الجنوب اللبناني والتي أعطت زخما لتأييد برنامجه السياسي العسكري، وحالة حماس في غزة ما قبل الانقلاب/الأزمة، وغيرها

    في الغرب، ومنذ بدايات القرن العشرين، كان لجماعات الضغط الأثر الأكبر في عدالة النظم السياسية، في حين كانت الأحزاب بمثابة مراقب للتطورات الاجتماعية تحمل الرسالة و تعطي زخما سياسيا للبرنامج الاجتماعي

    حتي في علم الإدارة، تساقطت أيدولوجيات التغيير والتطوير الشمولية كإدارة الجودة الكاملة لتحل مكانها أساليب وبرامج صغيرة تركز على أهداف صغيرة قابلة للتحقيق بدلا من أفكار فقدت اتصالها بالقوى العاملة (على سبيل المثال
    Lean Management و Six Sigma

    إلا أن المشكلتين الأكبر أمام هذه المنظمات المجتمعية ذات الرسالة المحددة في بلادنا هما أولا السلطات القمعية محلية كانت أم احتلالية والتي تشوه وتنكل بتلك المنظمات، يتلو ذلك التوجس العصبي من قبل الشعوب العربية، خصوصا الطبقات غير الوسطى والقوى المحافظة، والتي تشعر بالتهديد من كل جديد... والسؤال هو، كما قال أحد المشاركين، أين القيادة القادرة على إعطاء الزخم لهذه المجموعات لإجراء تلك التغييرات الصغيرة هنا وهناك، كلبنات بناء متفرقة نحو مجتمع يملك قراره الاقتصادي والاجتماعي قادر على اتخاذ قراره السياسي نحو إنهاء الاحتلال الخارجي أوالقمع الداخلي؟0
  • »ما بعد الحداثة ليس خيارا نرفضه أو نقبله (د. أحمد عزم)

    الأحد 22 آب / أغسطس 2010.
    الأستاذة خلود
    شكرا لملاحظاتك. التعريف ما بعد الحداثي للايديولوجيا يتعلق بطرح أفكار كلية لحياة الإنسان، لا لكيف يجب أن تسير، بل وأيضا ادّعاء وجود قواعد وقوانين تنظم المجتمعات ككل. وتتضمن الإيديولوجيا تقليل من قيمة الفرد (حتى لو ادعت العمل لصالحه). الآن نحن في عصر التركيز على الفرد والمجموعات والفرعيّات ورفض الكليّات. ويوجد من ينتقد ما بعد الحداثة لتماديها في رفض الأيديولوجيا والقوانين التأسيسية.
    ولكن الفكرة الأساسية هي كيف يمكن التعامل مع هذا السياق في مرحلة حركة التحرر. كيف يمكن بناء تحرك يجمع الجماهير سواء في حركة واحدة وقوة واحدة. أو تحرك جبهوي يجمع قوى عدة. أو قوى عديدة لكن ضمن تيار له أهداف محددة. ما هو نوع القيادة؟ وما هو نوع الرابط بين المجموعات؟ والمنسق لها؟ وما هي قواعد العمل؟ هذا مر ربما نحتاج للتفكير به

    الأستاذ أمجد
    شكرا لرأيك ولكن الفكرة أنّ "ما بعد الحداثة" حالة عالمية، ليست من صنع جهة ما، بل هي تيار جاء لأسباب عديدة، وبالتالي نحن لا نقبل أو نرفض، بل نعيشها وقد نغير فيها. فكرتك عن تقسيم العمل بين الفصائل ومنظمات المجتمع المدني والمبادرات الفردية والاجتماعية وذات الأهداف المحدودة (ولا أقول منظمات ما بعد الحداثة فلا شيء كهذا)، جيدة وتحتاج لنقاش ولكن الوقود الفكري والجاذبية الخاصة بهذه الفصائل تتراجع كثيرا وقد صدمني أثناء إعداد هذا المقال اكتشافي الخلفية الفصائلية لأكثر من ناشط يقود هذه الجهود رأى العمل بعيدا عن فصائله. كما أن الشباب الجديد عازف عن الفصائل عموما... وهذه الفصائل - خاصة إذا أدركنا أن الشعب الفلسطيني في الشتات لا يوجد ما يجذبه لها أبدا خاصة أنه لا برنامج عمل لها في الشتات سوى ربما نشاطات إعلامية واجتماعية تقوم بها قوى المجتمع المدني بشكل أفضل. منذ بداية التسعينات والشباب الفلسطيني خارج فلسطين يعيش حالة فراغ كامل من الناحية العملية.
    أنا مع استراتيجية تتجاوز هذه الحالة، ومع استراتيجية تجعل هذه القوى الجديدة الصادقة والمتفاعلة والحيوية جزء من استراتيجية التحرير.
  • »لا وجود للشمولية (خلود)

    الأحد 22 آب / أغسطس 2010.
    أخي الدكتور أحمد

    مقالة رائعة جدا ووميزة من حيث طرحها لتساؤل مهم وخطير، ألا وهو كيف يمكننا أن نتحرر ؟ وهل يمكن للمنظمات الأهلية أو للأفراد بدون أيديولوجيات واضحة أو جامعة التحرر ؟؟ سؤال مهم ولكني أرى أن الأهم أن نوضح اولا مفهوم الايدلوجي : ألا وهو - ضمن مفاهيمي - مصالح طويلة الآمد ويمكن أن تتغير حسب تغير المصلحة سواء العامة أو الشخصية حسب تأثرها بالواقع ومتغيراته فبالتالي الأيدولوجي الجامعة أي المصلحة العامة طويلة الآمد والتي تجمع الكل على مصلحة واحدة وهي هنا التحرر. ولكن هل فعلا التحرر هو مصلحة الجميع ؟؟ ربما الجواب البديهي نعم ولمن الجواب المنطقي يقول لا طبعا ، لأن المصالح تختلف حسب الشخوص والأماكن وغيرها ... يعني ببساطة عندما نتحرر عمن سيكتب الوطنيون؟؟ ومن ستغني بالشهيد الفلسطيني أو البكاء على الأطلال؟؟ ربما سيقول قائل: نتحرر ولا نريد البكاء وأنا هنا أقول غير صحيح .. الناس عايشوا أمرا ما ومن الصعب عليهم أن يرضوا يغيره وأكبر مثال الانتفاضة الأولى والثانية وربما الثالثة .. النفوس البشرية وما يعتريها امر غامض للغاية وربما لن تصدق أن هنالك وطنيون يتمنون لو يبق الوطن محتلا حتى يتغنوا به. الوضع يا دكتور أحمد أصعب مما نتخيل فالأمراض النفسية والعقول المريضة والأوهام ما زالت تسيطر على شعوبنا العربية ومن الصعب التخلص منها أو حتى تغييرها الآن. لذلك يجب أن نراهن على الأجيال القادمة (الأفراد) ليحرروا هذا الوطن. لأنهم على الأقل لن يبكوه كثيرا بعد التحرير
  • »التحرير وما بعد الحداثه .... علاقه تنافريه (امجد ابوعوض)

    الأحد 22 آب / أغسطس 2010.
    ربما اسهل الطرق للقضاء على ما بعد الحداثه وانهاء مشروعها هو الدفع بها الى الميدان الخاص الذي يمتلكه مصطلح التحرير ويخوض فيه اشرس النشاطات بهدف الخلاص من الاحتلال ,

    بالاعتماد على قرائتك الذاتيه فأن الايديولوجيات استخدمت (الخلاص) في فراشها الفكري , والتحرير في معناه الاكبر هو الخلاص من الاحتلال ولذلك فمن الافضل لمنظمات المجتمع المدني البقاء بعيدا عن استراتيجية التحرير حيث الاشتباك الوجودي مع الاحتلال ومن الافضل لما بعد الحداثه ان تحافظ على انجازاتها المحققه في تخفيف بطش هذا الاحتلال بالانسان ,

    خذ مثالا توضيحيا المنظمات المدنيه التي تتابع حقوق الاسرى , هدفها المحدود هو تحسين احوالهم وليس تحريرهم , وخذ مثالا اسطول الحريه وكيف اضطرت اسرائيل ومصر لتسهيل دخول البضائع وتوسيع القائمه الغذائيه المسموح بوصولها للقطاع , اسطول الحريه حقق شيئا مهما من هدفه المحدود وضمن للفكره ان تتكرر مع التضييق على خيارات الاحتلال في التعامل معها ,

    من الظلم ان نلقي على ما بعد الحداثه مهمة التحرير فعندها سيكون الاحتلال جاهزا للقضاء عليها بنفس نسبة جهوزيته بالابقاء على ذاته بيننا على مر السنين , استهداف اثار الاحتلال على الحقوق المدنيه للانسان الفلسطيني هو الهدف الاذكى لما بعد الحداثه , اما الحقوق السياسيه والوطنيه فالفصائل الاسلاميه واليساريه لا زالت ترفض اعتناق ايديولوجية الهزيمه , نعم سيدي الهزيمه ايديولوجيا هي الاخرى وسينتهي كل شيئ اذا ما تسللت اقلامنا للكتابة على ورقها الناعم والمريح , هل سيفكر السلبي النائم بخلاص افضل من الهزيمه ؟

    سؤال : ما هو جوهر المرحله ؟ وما هي طبيعتها ؟
  • »بحاجة إلى القائد الفذ للمسيرة (خالد السلايمة)

    الأحد 22 آب / أغسطس 2010.
    أسعد الله صباحك الجميل أخي العزيز أحمد

    حقيقة مقال هام جدآ و شامل و وافي عن الحال الفلسطيني و نحن يا دكتور بحاجة منك إلى خطوات عملية لتكون إستراتيجية رئيسية لنا لصنع حركة تحرر وطني للشعب الفلسطيني

    رأي المتواضع أن الشعب الفلسطيني اليوم هو في أشد الحاجة إلى قائد فذ يمسك كل الخيوط الفلسطينية و يستطيع من خلالها نقل كل الأمور التي تتعلق بالشعب الفلسطيني من مستواها الحالي إلى مستوى أعلى و مستوى تبرز من خلاله ملامح مشروع تحرر وطني.

    أعتقد أن الظروف مهيئة و بقوة لظهور قائد فلسطيني يلعب دورآ هامآ جدآ لفعل ذلك. أولآ الساحة خالية تقريبآ من قيادات فلسطينية ذات تأثير كبير و قبول كبير على الساحة الفلسطينية و ثانيآ فإن الظروف الإقليمية تنذر بالشعب الفلسطيني بأن القادم سيء, و ثالثآ القيادات العربية تريد المزيد من التنازلات على حساب الفلسطينيين و رابعآ الأمريكان يريدون الخلاص من الصراع العربي الإسرائيلي بأي ثمن و إسرائيل طبعآ تضرب بالجميع بعرض الحائط. و لذلك الفلسطينيون في مأزق كبير.

    علينا التحرك و العمل و بقوة لتوحيد صفوفنا و التفكير جديآ في قائد تكون له كل صفات القيادة الفذة و التي يستطيع من خلالها بث الروح من جديد لدى أبناء الشعب الفلسطيني بأن له حقوقآ كبيرة و أنه لن يتنازل عنها مهما حصل و مهما مر من وقت.

    أشكرك من كل قلبي على هذا المقال المفصلي و أطالبك بالمزيد في هذا المجال.

    لن نركع و لن نتنازل و لن نرضى بغير فلسطين وطنآ و بالقدس عاصمة و بحيفا و يافا عرائس للبحر