علاء الدين أبو زينة

دراما سياحية

تم نشره في السبت 21 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

في يوم ليس بعيداً، حقق الأردن حضوراً متميزاً في الدراما التلفزيونية، في وقت كان فيه الآخرون يتلمسون الطريق. وكان الأردن يصدر أشكالاً مختلفة من المسلسلات المطلوبة في أكثر من مكان في العالم العربي، بسبب التنوع والقبول الذي تلقاه لدى الأذواق المتباينة. وربما لا يكون من الدقيق إحالة ذلك التفوق إلى تميز في موارد الأردن المالية في تلك الآونة، وإنما كان يعود في الغالب إلى توثب الروح الطامحة التي كانت السمة الأبرز لهذا البلد الفتيّ في مختلف المجالات. وقد خرّجت مسارح الهواة والفرق الجامعية جيلاً من الممثلين الجيدين الذين لم يدرسوا في معاهد التمثيل، ولم يكونوا مدفوعين بما يحوزه الفنانون العرب اليوم من الامتيازات والأجور العالية، بقدر ما كانوا يكتفون بمتعة الأداء والأشواق الشخصية.

أقل ما يمكن قوله الآن هو أن الأردن قد خسر للأسف موقعه في هذه الساحة المهمة على أكثر من صعيد، وهدر بالمجان جهود الرعيل الأول من فنانيه الذين جهدوا في تأسيس تقاليد درامية قابلة للتطوير، وفي مناخ ثقافة شعبية لا تعامل فنانيها بما ينبغي من الاحترام. والأسباب هي نفس أسباب التراجعات الملحوظة في أغلب ما يتصل بسلع الثقافة والفنون المختلفة: قصر النفس؛ وتشتت التركيز؛ والتعامل مع كثير من الشؤون على أنها عارضة وثانوية، وذلك الوصف الذي لا أعرف ما صلته بأي شيء: "عمل فاضي، وما بيطعم خبز".. ولكثرة الأشياء التي توصف على هذا النحو، لم نعد نعرف ما هو الرئيسي وما هو العارض. ويتسع طيف ضحايا هذا التوصيف: الأغنية الأردنية، والمسرح، والسينما، الفنون التشكيلية، والأدب، والرياضة، وتطول القائمة.

لعل من المفارقات الغريبة أن الثقافة التي لم تشج الفنان والدراما الواعِدين كما ينبغي، هي نفسها التي تنكب على استهلاك الدراما الأخرى في الأمسيات، وتنشغل في الحديث عنها باهتمام. فلماذا تعامل الدراما لدينا بتجاهل من الجهات الرسمية والشعبية؟ ولماذا تنفق الدول الأخرى ملايين الدولارات على إنتاج المسلسلات الرمضانية، التي تدرّ على بلدانها المنتجة دخلاً بالملايين؟! قد يقول قائل إن فنانينا غير مقنعين وأعمالنا هابطة، لكن استمرار الإبداع وتطوره يحتاجان إلى التغذية الراجعة الإيجابية والتشجيع والدعم، ثم المحاسبة وليس العكس، بالإضافة إلى ما يحدث اليوم من عولمة الدراما وحمل الدراما المحلية بفنانين مستوردين. نعم، إن الدراما تطعم خبزا، وليس للممثلين وفريق العمل فقط، وإنما للبلد المعني كله، وسأذكر مثالين مألوفين: أولاً، استطاع مسلسل "نور" التركي –غير التسبب بمشكلات عائلية كما تناقل الإعلام- أن يسوّق بعبقرية مشاهد تركيا الأخّاذة في البلدان العربية، وبحيث ارتفعت سياحة العرب إلى تركيا بشكل ملحوظ. وحدثني أصدقاء ممن زاروا تركيا، ومنزل "عائلة أوغلو"، أن صانعي الدّراما لم يزوّروا في المناظر الطبيعية ويخفوا العيوب، وأن اشتغال الأتراك على تجميل بلدهم يفوق في الحقيقة ما تعرضه الشاشات. والمثال الثاني هو ما صنعه السوريّون بموقع تصوير الدراما التلفزيونية الرائجة "باب الحارة"، حيث أنشأ المستثمرون الأذكياء في السياحة "القرية الشامية" حول الموقع، وهي مكان يمكن أن يقضي فيه الزائر وعائلته سحابة اليوم بين المتحف وحديقة الحيوان والمحال التجارية والمطاعم والمقاهي ذات الديكورات المتقنة –بالإضافة إلى موقع تصوير المسلسل الذي يستخدم أولاً في تسويق المكان كله. ويحس الزائر بالإبداع في كل مشهد رسمه المعنيون في الموقع الذي كأنما استنبتوه من الفراغ، فأصبح واحة للترويح: في ديكورات المطاعم والكثير من الخضرة المرتبة، وفي المعاملة المضيافة.. وقد تساءل صديق خلال التجوال في باحة مطعم خارجية بديعة في الموقع: ألا يستطيع أحد عندنا ببساطة أن يصور هذا المشهد وينسخه؟

نعم.. ليست الدراما التلفزيونية فائضة.. ولم يعد بالوسع الفصل اليوم بين السياحة والثقافة والفن والاقتصاد لأن الأشياء تتقدم جميعاً وتتراجع معاً. لكن المفقود هو العقل الذي يستطيع أن يجد الصلة.. يجب علينا التفكير بكيفية صناعة "دراما سياحية" من النوع المذكور، لأن سياحتنا في حاجة إليها، ولن يكون ذلك استثماراً خاسراً، وإنما ينبغي أن يجلب الكثير من الفخر، والكثير من الخبز أيضاً.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق