سورية وتركيا: الألغام التي لم تعد تفيد

تم نشره في الجمعة 20 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

في زيارته لجنوب شرق تركيا المجاور لسورية في 17 آب الحالي، صرّح وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو أن "حماية الحدود بين أي بلدين تتم من خلال إقامة علاقات جيدة وليس من خلال زرع الالغام"، وذلك في إشارة الى أن حماية حدود بلاده بزرع الألغام لم تفد بشيء خلال عقود سوى تفاقم التوتر بينما تتطور العلاقات بشكل خارق للحدود في السنوات الأخيرة بين تركيا وسورية.

ومع أن الخريطة الرسمية لكل دولة تختلف عن الاخرى، حيث إن الخريطة الرسمية لسورية في كل مكان ما تزال تضم لواء الإسكندرون على عكس الخريطة التركية التي تبرزه ضمن تركيا، الا أن العلاقات الخارقة للحدود بين سورية وتركيا تبيّن أنه من الممكن تطوير علاقات استثنائية مع وجود خلاف حدودي يمتد إلى سبعين سنة. ونظرا لأن لواء الاسكندرون ما يزال في الكتب المدرسية السورية يمثل "اللواء السليب"، فمن الطبيعي أن يطرح موضوعه من حين الى آخر من دون أن يؤثر بشيء على التطور المتزايد للعلاقات الجديدة بين تركيا وسورية التي تغطي الآن الاقتصاد والسياحة والثقافة.

فبمناسبة الذكرى العاشرة لتولي الرئيس بشار الأسد للحكم، ألقى معاون نائب رئيس الجمهورية العماد حسن تركماني محاضرة في جامعة دمشق تعرّض فيها للعلاقات المتنامية بين سورية وتركيا. وقد فوجئ الحضور بسؤال عن مصير لواء الاسكندرون في ظل هذا الوضع الجديد، فردّ المحاضر بجملة واحدة تضمنت ما صرح به الرئيس الأسد في زيارته إلى أنقرة من "أن الخلاف في الرأي إن وجد لا يمنع تطور العلاقات بين البلدين"، وهو ما لم يبرز في التغطية الصحافية السورية للمحاضرة.

ويبدو أن الأرقام الاخيرة عن حركة التبادل التجاري والسياحي بين الدولتين تدل على ذلك، حتى إنها وصلت الى مستويات قياسية. فقد نشرت الصحافة السورية ( "البعث" و"الثورة") في 18/08/2010 أن عدد السوريين الذين توجهوا للسياحة الى تركيا وصل الى ثلث مليون في الشهور الستة الاولى من عام 2010، وهو يمثل 51 % من مجمل السياح العرب الذين زاروا تركيا في الفترة المذكورة.

وفي المقابل، فإن الحضور التركي في سورية اقتصادي وليس سياحيا، أي أنه يتمثل في البضائع التي تنافس المنتوجات السورية التقليدية وغير التقليدية (الأقمشة والالبسة والمفروشات والاسمنت الخ)، حيث إن سقف التبادل بين الدولتين يتجه لتخطي ثلاثة بلايين دولار.

ومع أن رمضان المبارك يتميز هذه السنة بوفرة المسلسلات السورية، التي أثّرت على نسبة مشاهدة المسلسلات التركية، الا أن تركيا حاضرة أيضا في المسلسلات التي يشارك فيها السوريون؛ كـ "سقوط دولة الخلافة" الذي أريد له أن يخدم التوجهات الجديدة في العلاقات السورية التركية والعلاقات التركية العربية عموما، وهو ما يستحق أن نعود له في مقالة خاصة.

وبالاضافة الى هذا الحضور الفني لدينا حضور تركي متزايد في مجال الادب. ففي الاسابيع الاخيرة صدرت في دمشق (دار قدمس) روايتان من الادب التركي المعاصر، هما "الجارية" للروائية غل آرب أوغلو و "جمرة" للروائية موغه ايبلكجي. ولا شك أن هذا الحضور التركي الثقافي مؤشر أيضا الى ما يمكن أن تقوم به دمشق في هذا المجال مع وجود مترجمين قديرين من التركية الى العربية.

خلاصة القول إنه مع العلاقات الجديدة بين سورية وتركيا، التي وصلت الى "التعاون الاستراتيجي"، لدينا "حالة دراسة" كما يقال في العلوم السياسية، و هي تستحق الاهتمام بالنظر الى ما تمثّل في المحيط الاقليمي: تفكيك الألغام على الحدود الموجودة منذ عقود، واختراق الحدود بتعاون شامل مع وجود خلاف على الحدود يبرز في عدم تطابق خريطة كل دولة مع الأخرى.

mm.arnant@alghad.jo

التعليق