ياسر أبو هلالة

اليساري الحقيقي.. الطاهر وطّار

تم نشره في الاثنين 16 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

لا يحظى رحيل مبدع مثل الطاهر وطار في بلده الجزائر بحفاوة، والعالم العربي في شغل عن المبدعين الحقيقيين. والعزاء أن قيمة هذا المثقف لا تقررها السلطة ولا الجماهير بل، هي كامنة في أعماله الروائية الخالدة التي ترجمت إلى أكثر من عشر لغات، ورحيله لا يزيد تلك الأعمال إلا ألقا، وغيابه عن دنيانا جسدا يقابله حضور في روحه وفكره لا ينقطع.

جسد أبو الرواية الجزائرية الدور الحقيقي للمثقف؛ ففكره اليساري الماركسي لم يدفعه إلى الانحياز إلى السلطة في مواجهة الإسلاميين. انحاز إلى خيار الشعب الجزائري وأخذ موقفا نقديا من"اليسار". وقد كتب روايته الأخيرة "قصيدٌ في التذلل" على حد قوله لصحيفة "الرياض" بإصبع واحدة، بعد أن أنهك العلاج الكيماوي أصابعه، وتناول فيها "مسار اليسار في الجزائر وثنائية الثقافي والسياسي، وكيف يسعى الثاني إلى تدجين الأول". ولا يبخل بالهجاء على الشعراء والمثقفين الذين استهوتهم إغراءات السلطة.

ويصف وطّار نفسه بالعروبي، وهو من أشد المدافعين عن اللغة العربية والمؤمنين بوجود "قطب فرانكوفيلي" (يتحدث الفرنسية ويدين بالولاء لفرنسا) أدام سيطرة فرنسا على الجزائر، حسب قوله حتى بعد استقلالها. عارض وطّار انقلاب هواري بومدين على أحمد بن بلة في 1965، وعارض بعد 35 عاما تدخلا آخر للجيش نتج عنه حظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد انتخابات 1990، التي رجح مراقبون أنها كانت ستضع الإسلاميين في السلطة.

وفي هذه الفترة من 1991 إلى 1992 -وهو يتقلد منصب المدير العام للإذاعة المملوكة للدولة- عارض وطّار ما تبع إلغاء الانتخابات من اعتقالات طالت ألوفا سجنوا في صحراء الجزائر من دون محاكمة، وأنشأ إذاعة للقرآن الكريم. وعندما كان مصطلح "الإرهاب" يجري على شفتَي كل صحافي جزائري تقريبا، كان وطّار يرفض هذا المصطلح، ويفضل الحديث عن العنف والعنف المضاد.

تكشف يساريته الحقيقية عورات كثير من اليسار العربي؛ فهو لم يتحول إلى مثقف واش في خدمة الأجهزة لأن السلطة أرحم من الإسلاميين، ولم يرتكس إلى هويات فرعية، بل ظل يتحرك بأفق الأمة ويصف نفسه بالعروبي. كان بإمكانه أن ينحاز إلى أصوله البربرية ويتحول إلى زعيم شوفيني، لكنه اختار أن يختم حياته في "الجمعية الجاحظية" عنوانا ثقافيا وفكريا. يذكرني الصمود والقبض على جمر الأمة بنكوص شيوعيين عراقيين إلى هوياتهم الكردية والشيعية، تماما كما شهدنا كيف تحولت رموز في اليسار الفلسطيني والأردني إلى رموز شوفينية تتبرأ من أمتها وتتلطى بزواريب القطرية.

في حوار مع " العربية" قال همه الأساسي هو "الوصول إلى الحد الأقصى الذي يمكن أن تبلغه البرجوازية في التضحية بصفتها قائدة التغييرات الكبرى في العالم". ويقول إنه "هو في حد ذاته التراث. وبقدر ما يحضره بابلو نيرودا يحضره المتنبي أو الشنفرى". كما يقول: "أنا مشرقي لي طقوسي في كل مجالات الحياة، وأن معتقدات المؤمنين ينبغي أن تحترم"، وعندما سئل بماذا تحب أن يذكرك الناس بعدما ترحل؟ قال "أريد أن يذكروني بأني كنت صادقا كالشهداء".

وقد رحل كما الشهداء، "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي".

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لليسار تحية (ايهاب الرنتيسي)

    الاثنين 16 آب / أغسطس 2010.
    لقد تطرق الكاتب الى نقد اليسار في فلسطين والعراق والجزائر واليسار العربي بشكل عام واتهمه بالقطرية والإقليمية .. وأشاد بيسارية الطاهر..ويبدو أن الكاتب استغل هذه المناسبة الحزينة لصب جام غضبه على قوى اليسار متناسيا أن حركته الإسلامية في الدول العربية تمر بنفس الظروف التي يعاني منها اليسار .. ففي الأردن الحركة الإسلامية أفرزت حركة حماس كتيار اسلامي فلسطيني من رحم الأخوان في الاردن ومصر وهو الوضع نفسه في العراق فقد انقسمت الحركات الإسلامية إلى حركات متناحرة!!!!
    ولن ننسى الصراع الذي لم يعد خفيا دخل الحركة الإسلامية في الأردن حاليا وفي الماضي حول حماس واعتبار الاسلاميين من اصول فلسطينية انهم امتدادا لها .
    النقد الذي وجهه الكاتب لقوى اليسار لم يكن في موضعة.. فنايف حواتمة الأردني الأصل هو امين عام لتنظيم فلسطيني يساري ، وقيس عبد الكريم(أبو ليلى) العراقي الأصل هو عضو مجلس تشريعي فلسطيني واحد قيادات اليسار في فلسطين .. وفؤاد نصار هو اول امين عام للحزب الشيوعي الأردني وهو فلسطيني الأصل وخلفة بعد ذلك فهمي السلفيتي وهو ايضا فلسطيني..
    أما الحركات الإسلامية فعقد اغرقت المنطقة بصراعاتها المذهبية والطائفية..والحديث يطول عن الصراعات العرقية والإقليمية للحركات الاسلامية التي تناحرت لعقود طويلة في افغانستان
    أرجو أن يتسع صدر الكاتب لهذا الرد
    مع الشكر
  • »ابداع على اكثر من مستوى (صادق)

    الاثنين 16 آب / أغسطس 2010.
    هذا المقال يمثل عينة رفيعة لعدة اسباب:
    - فيه قبول للأيدولوجيا المخالفة بل و احتفال مبدعيها
    - اسقاط غاية في الذكاء على الوضع الأردني اذ تحول الماركسي القديم الى اقليمي واش او مبخر للسلطة
    -فيه معلومة وخبر يضيفان الى ثقافة القاريء الأردني البعيد نسبيا عن المغرب العربي و شجونه

    ملاحظة "مستديمة" لماذا يجب ان يموت المثقف العربي حتى يكتشف؟
  • »اليسار لا يثق بالإسلامويين (فراس زهير)

    الاثنين 16 آب / أغسطس 2010.
    اليسار بمفهوم الحركات الإسلامية هو الالحاد فكيف تريد من اليسار أن يثق بالإسلامويين، الإسلاموي يكفر من لا يسير حسب مفاهيمه العقائدية فكيف إذا كان يحمل فكر اليسار و يطالب بفصل الدين عن الحكم .

    كيف تريد لليسار أن يثق بالإسلاميين و الحركات الإسلامية استعملها السادات لتنكل باليسار ليمهد انفتاحه على امريكا وابرام السلام مع اسرائيل و لكنه لم يكن يعلم إن نهايته ستكون على ايديهم وانه سيحصد ما زرعه

    المشروع الذي تتبناه حركات الاسلام السياسي بكل تنظيماتها, وهو اتجاه رفض بحت , يقوم على ثلاثة أعمدة هي أولا/ الغاء الديمقراطية. ثانيا/ احلال خطاب ايديولوجي شمولي من صنف يرسي في نهاية المطاف إلى خضوع شكلي لطقوس دينية لاغير. ثالثا/ قبول الانفتاح الشامل على الصعيد الاقتصادي.. , فهو مشروع يجمع بين الاسوا اي قبول العالمية الراسمالية في مجال الاقتصاد ( اي بمعنى اخر التبعية على الصعيد الدولي مع رفض القيم التي انتجتها الرأسمالية من حرية وديمقراطية.

    اليسار تعلم من اخطائه و وصل إلى قناعة إنه لا بديل عن الديمقراطية بينما الإسلام السياسي لا يمكن أن يتواجد في خانة واحدة مع الديموقراطية لأنه بكل بساطة لا يؤمن بالتعددية ولا يحترم البديهيات الأولى لحقوق الإنسان . ولذلك لا يمكن لليسار أن يقبل l بجرائم تحت ذريعة أن الأغلبية توافق على ذلك وخير دليل على ذلك إيران بعد الثورة الإسلامية كيف نكلت باليسارين واعدمتهم عن طريق مشنقة البكرات علماً انهم رفاق الثورة.
  • »صدقت فيما وصفت (يوسف ادم الآلوسي)

    الاثنين 16 آب / أغسطس 2010.
    نعم انه كذالك ولقد وصف كتابنا الكريم امثال الطاهر لايجرمنكم شنئان قوما على ان لاتعدلوا واعدلوا هو اقرب للتقوى