محمد برهومة

إنهم لا يعلمون!

تم نشره في السبت 14 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

قبل فترة وجيزة من قيام الثورة الإسلامية في إيران، وفي بداية العام 1978 كان الرئيس الأميركي في ذلك الوقت جيمي كارتر، يتبادل الأنخاب مع شاه إيران محمد رضا بهلوي، في العاصمة طهران، ويصف إيران بأنها "جزيرة استقرار في عالم مضطرب"!. ولم تمضِ سنة واحدة حتى أصبح شاه إيران لاجئا ومنفيا وملاحقا. وخلال أقل من عام آخر عاقب الإيرانيون كارتر عبر فضيحة "الرهائن الأميركيين في إيران الذين احتجزهم الإيرانيون 444 يوما، فلحق كارتر بالشاه "ضحية أخرى من ضحايا تلك الثورة التي لم يلحظ هو ولا غيره بوادرها"، كما يذكر عبد الوهاب الأفندي.

وعندما أشار الكاتب الأميركي جون لي أندرسون، في مقالة طويلة ستنشرها مجلة "نيويوركر" المعروفة في عددها المقبل في السادس عشر من هذا الشهر، إلى أن المواجهة العسكرية بين الغرب وإيران ربما تكون أكثر احتمالا من السلام، تساءل محاوره علي أكبر جوانفكر، المستشار الإعلامي للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ومدير وكالة "إرنا" الإيرانية للأنباء، متعجبا :"هل ما يزال بإمكان الولايات المتحدة، في ظل الحروب في العراق وأفغانستان، مهاجمة إيران؟!". وأضاف: "إنهم لا يعلمون ماذا يحدث داخل قيادتهم العسكرية في كابول"، في إشارة إلى الفضيحة التي أطاحت بالجنرال ستانلي ماكريستال من منصبه في كابول، "فكيف يعلمون بما يحدث هنا في إيران؟".

نجاد أيضا في حوار مع الكاتب في المجلة ذاتها قال: "إن إحدى مشاكل القادة في الغرب هو أنهم لا يعرفون بمشاكل العالم".

وفي الأول من الشهر الحالي قدّم رئيس القسم الإيراني في وزارة الخارجية الأميركية جون ليمبرت، استقالته من هذا القسم، منتقدا طريقة تعاطي إدارة باراك أوباما مع الملف الإيراني. وفحوى انتقاد ليمبرت أن أوباما بدأ يتراجع عن وعوده عندما تسلّم السلطة، وقال حينها إن الحوار والدبلوماسية سيكونان منهجه في التعاطي مع إيران. ويرى ليمبرت أن الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران باتت في الآونة الأخيرة تعتمد بشكل أكبر على الضغوط منها على الدبلوماسية، وهذا برأيه رجوع إلى الأسلوب الأميركي القديم، الذي لا يعلم أن القوة العسكرية وحدها لا تحل مثل هذه النزاعات، فكانت استقالته صرخة تقول: "إنكم لا تعلمون"!.

وقبل أيام، قال المتحدث باسم موقع "ويكيليكس"، الذي اشتهر بتسريب الوثائق والفضائح العسكرية والأمنية، "إن موقعه سيواصل نشر المزيد من الملفات السرية الخاصة بالحكومات في جميع أنحاء العالم". مضيفا أن "نشر وثائق سرية حول حرب أفغانستان ساهم بشكل مباشر في فهم الشعوب لأبعاد هذا الصراع"، مؤكدا أنهم "يأملون في أن تؤثر الشعوب على الحكومات من أجل وضع سياسات أفضل".

وفي التاسع من هذا الشهر، توقع الرئيس السابق لـ"هيئة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير أن ينتهي الأمر بالغرب إلى الحوار مع حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة"، مضيفا أن "نمط السلوك الغربي إزاء الحركات الإرهابية هو محاربتها عسكريا ثم الحوار معها، وأخيرا الاعتراف بزعمائها كرجال دولة مثلما حدث مع الجيش الإيرلندي، إنها مسألة وقت حتى يقتنع الطرفان بالمفاوضات".

قصارى القول: إن السياسات الأفضل ترتكز على الحكمة والتواضع واحترام إنسانية البشر، والبعد عن الغطرسة والعجرفة، وبغير ذلك تفقد القوة العسكرية، مهما عظمتْ، قدرتَها ومعناها، وتستحيل إلى أداة تدمير وتخلّف، فهل تعلمون؟.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق