محمد برهومة

الإيمان بحاجة إلى الفن

تم نشره في الجمعة 13 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

في كتابه "الإصلاح الجذري: الأخلاقيات الإسلامية والتحرر" يقدم طارق رمضان، أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة في كلية اللاهوت في جامعة أوكسفورد، طرحاً مهماً حول علاقة الإسلام بالفن والترفيه. وتحاول هذه المقالة نقل مضمون فكرته والإضاءة عليها.

فالإسلام في الحقيقة لا يفصل الفن والتسلية والترفيه عن الأخلاق بالمطلق، لكن ما من توجيه إسلامي يبرر وجوب التضييق على الفن باسم الأخلاق وخنقه وتحريمه. والترفيه يشمل المطالعة والموسيقى والرياضة والرسم والدراما والخيال والسياحة الروحية والتأمل، وهذا كله ليس شيئا تافها.

ويرى رمضان، وهو يقارب الفارق بين رؤية الدين ورؤية الفن، أن عالم الفنون عالم من الأسئلة بدلا من أنْ يكون عالما من الإجابات، ويجب ألا يختزل هذا العالم بنقل الإجابات الدينية فقط. فالتعبيرات الفنية تسبق تلك الإجابات، وهي تسعى للتوصل إلى جوهر العاطفة ومعناها وتصويرها. ومن ثم فإن أي محاولة لاختزالها برسالة دينية لن تُرضي الناس، وذلك لأن الفنانين يطرحون الأسئلة والإيمان يزودهم بالإجابات، ومن المهم أنْ يتيح الإيمان للقلب حيزا يمكنه من التعبير فيه بحرية وكرامة عن أسئلته البسيطة والإنسانية والمؤلمة، والتي ربما لا تكون جميلة دائما، ولكنها ليست بشعة بالمطلق بالتأكيد.

أي أن الإيمان، برأي رمضان، بحاجة إلى الفن؛ لأن مثل هذه التعبيرات تمكّنه من امتلاك العمق والجوهر والكثافة. وهذه نقطة مهمة في تأطير العلاقة بين الفن والإيمان والأخلاق، وذلك عبرتأكيد أن وظيفة الفن ليست إشعال الغرائز وعبادة الجسد، كما ليس وظيفته في الآن ذاته أن يقدّم رسالة دينية أو يقوم في جوهره على إجابات نهائية وحاسمة.

ويبين المؤلف أن مقاومة "عولمة الغرائز"، وهي قيمة نبيلة ومهمة في عصرنا، لا تكون بالارتماء بأحضان أفكار ورؤى وفتاوى تحيل الحياة إلى جفاف ووجوم وجدية تنهك العقل والروح وتفسد العاطفة وتقمع الجمال، وتجعل السعادة مفهوما خشنا تأباه النفس السوية والذوق الرفيع. ولذلك من المهم عند مقاربة أخلاقيات الترفيه والفنون، وأن الغاية منهما ليس إطلاق العنان للغرائز، أن نؤكد أيضا أن الأصل في الأشياء الإباحة لا التحريم، ونؤكد عدم الخوف من الحرية، بل تأسيس الترفيه والفن على الثقة بالنفس البشرية، والبعد عن عقدة تأثيمها الدائم.

المسلمون، كما يرى رمضان، حائرون اليوم بين اتجاهات فكرية إسلامية متشددة تحرّم كل شيء وتجعل الحياة جافة لا تُطاق وبين تسلية من دون قيم أو أخلاق أو تهذيب أو أهداف سوى إشعال الغريزة بأي ثمن، وهي وصفة بائسة، ولا يقل عن بؤسها منْ ينادي بحياة دون تسلية وفن وحرية.

إن مهمة الفنون إثارة الأسئلة والشكوك وخلق الدهشة وإثارة الجدل ومعانقة اللامطروق والإضاءة على التفاصيل الصغيرة في حياتنا. وليس كل ما في الحياة من ألفها إلى يائها ينبغي أن يعبّر عن فلسفة أو يندمج في إيديولوجيا، فالحياة أوسع من أنْ تُختزل في أيديولوجيا أو فكرة.

ولذا من المهم للفكر الإسلامي المعاصر وللتجارب الإسلامية أنْ تسمع لقول النقاد الذين يرون أن علاقة الإسلاميين مع الثقافة والفن والأدب "مليئة بالروادع الذاتية، وأنّ الجانب الفردي أو الشخصي في التجربة الإسلامية يبدو مصادرا أو متواريا"، وهو جانب لا يكتمل فن أو ترفيه من دون الإعلاء من شأنه والثقة فيه، مثلما لا يكتمل أيمانٌ من دون تجربة ذاتية خاصة، تعبّر عن اقتناع عميق يسمو بالنفس ويهذبها ويحررها.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فالإسلام في الحقيقة لا يفصل الفن والتسلية والترفيه عن الأخلاق بالمطلق (dana)

    الجمعة 13 آب / أغسطس 2010.
    القاعده العامة رائعة
    لكن اين نحن من الذين يقولون ان الرصاص يصب في اذان من يسمع الموسيقى!
    هذه المتناقضات تضعنا في دوامة اننا نحب الفن و نشعر بالاثم!
  • »نقد بناء (فنانة مسلمة)

    الجمعة 13 آب / أغسطس 2010.
    الإسلام حث على الجمال والفن والأخلاق، لكن الفن الذي يعرض ويدعى إليه هذه الأيام ليس فنا لأنه لا يطرح تساؤلات ولا يجيب عنها وإنما يدعو في معظمه إلى التحلل من الأخلاق ونشر الفاحشة التي تنافي ما هو جميل وطيب وطاهر,,,أو قد يدعو لتثبيت ما هو منتشر من عادات وسلوكيات تنافي السمو والتميز بل تشد الناس إلى ما هو هابط... لو عرف رمضان أو كاتب المقال دينهم جيدا لما تحدثوا بلسان العلمانيين فالدين الإسلامي هو حياة بكل معانيها لا نفصل بين الرسالة الدينية والفن وإنما هذا حديث النصارى الأوروبين الذين عاشوا في ظل الكنيسة المتخلفة وهو حديث جهال المسلمين الذين تربوا في أحضان جهال آخرين الله وحده فقط يعلم نواياهم ...أسأل الله أن ينير بصيرة رمضان وبرهومة ومن لف لفهم...آمين