عيسى الشعيبي

حكمة اليسار الانتخابية

تم نشره في الثلاثاء 10 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً


في غمرة السجال الداخلي الذي لم ينقطع حول الموقف من الانتخابات البرلمانية المقبلة، كنت أتابع، عبر ما تيسر من مواقف وتصريحات متفرقة، ما قد يستقر عليه قرار الأحزاب اليسارية والقومية حيال مسألة المشاركة من عدمها في أحد أهم استحقاقات الحياة السياسية الداخلية المقررة، مراهناً على حسن إدراك قيادات هذه القوى لأهمية هذا الاستحقاق، ومعولاً على عمق وعيها بضرورة اهتبال كل فرصة سانحة لتعزيز حضورها ومراكمته تدريجياً لتحقيق الفرق النوعي المرغوب به انتخابياً في المديين المتوسط والطويل.

غير أنه عندما اشتد السجال وتباينت مواقف أحزاب المعارضة بين مقاطع ومشارك وبين بين، خشيت أن توقع الاستقطابات والمزايدات والتحسبات لدى قوى اليسار الديمقراطي على وجه الخصوص، بالبعض منها في حمأة الاعتراضات المشروعة على نواقص قانون الانتخابات المطور قليلاً عن سابقه، وأن تنساق بالتالي في أجواء الرفض والعدمية المستشرية بقوة في المجتمع السياسي، لا سيما بعد قرار الإخوان المسلمين وحزبهم بالمقاطعة التامة، ودعوة الآخرين إلى الحذو حذوهم.

والحق أن هذه الخشية على مآلات القرار النهائي الذي كان محل أخذ ورد لدى أحزاب المعارضة، إنما كانت تنبع من إدراك عام لحقيقة أن قدرة الأخ الأكبر في تنسيقية المعارضة في التأثير على الأجواء الحزبية العامة قدرة كبيرة، وأن غواية المقاطعة لها سحرها الخاص على ذهنية الأحزاب الصغيرة التي قد تجد في هذه السانحة ذريعة للنأي بنفسها عن عناء المعركة التنافسية والتستر على محدودية قاعدتها الانتخابية، ناهيك عما يقدمه قرار المقاطعة الشعبوي من مكاسب معينة على صعيد الطهرانية النضالية المبدئية الصارمة، بما في ذلك الشق المتعلق بقانون انتخاب مؤقت لم يوفر لها شروط التنافس على أساس القائمة النسبية.

غير أن الفطنة السياسية من جهة، وعمق التجربة الحزبية ودروسها الثمينة من جهة مقابلة، مكنت أحزاب تيار اليسار الديمقراطي، في نهاية مطاف قصير، من قراءة المعادلة الداخلية بصورة صحيحة، وحملت هذه الأحزاب، التي تعد مشاركتها في الانتخابات بمثابة ملح الطعام في سيرورة العملية الديمقراطية، على المضي مع اتجاه مؤشر البوصلة الذي لا يتغير مع تغير الأحوال المناخية العابرة، ومن ثم التمسك بأحد أهم قواعد العمل الحزبي وأكثرها استقراراً في المجتمعات الديمقراطية، ونعني به المشاركة في الانتخابات لا الترفع عنها مهما كانت الشروط مجحفة.

إذ بعيداً عن الرطانة السائدة في لغة معظم الأحزاب على اختلاف أحجامها وأطيافها الأيديولوجية، فإن هذه الكائنات السياسية لا تكتسب صفتها هذه، كتعبيرات ملموسة عن قوى اجتماعية أصيلة، ولا تستطيع أن تؤدي وظيفتها الأساسية التي تكوّنت من أجلها، إلا من خلال مشاركتها في العملية الديمقراطية أولاً، وعبر قدرتها على الوصول إلى البرلمان ثانيا، ومن ثم إلى تداول السلطة لاحقاً، وإلا فإنها ستظل مجرد كيانات نخبوية، لا يتجاوز دورها دور كتّاب الأعمدة الصحافية، حتى لا نقول إنها ستصبح والحالة هذه مجرد ظواهر لا وزن لها، تتوسل شرعيات شعبية متآكلة بدلاً من الشرعيات الديمقراطية البرلمانية المعتمدة لدى عالم اليوم.

وليس من شك في أن قرار المشاركة، الذي ينبغي أن يكون تلقائياً في الأحوال العادية، كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً، استلزم اتخاذه قدراً كبيراً من الترفع على الهواجس والتحفظات والتحسبات، ناهيك عن العيوب التي يحفل بها قانون انتخابات لا يلبي التطلعات. إلا أن النضوج السياسي والواقعية والضرورة الموضوعية أملت على قوى اليسار الديمقراطي اتخاذ القرار الصائب بالمشاركة، باعتباره الخيار العملي المفضي إلى تعزيز علاقات مكوناتها الحزبية بالقواعد الشعبية، والبناء على رصيدها التاريخي، ومراكمة المكتسبات الصغيرة، بإيجابية تتفق مع تقاليد الحياة الحزبية المعمول بها في أكثر المجتمعات تقدما وديمقراطية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاحزاب الصغيرة (saad)

    الثلاثاء 10 آب / أغسطس 2010.
    الاحزاب التي يتحدث عنها الكاتب ويمتدح مشاركتها بالانتخابات هو يعلم قبل غيره عن صغر حجمها وتأثيرها على الناس هذا ان كان لمعظم الناس علم بوجودها اصلاً، لذلك قد تسمح لها الحكومة بتحصيل بعض المقاعد القليلة بما يتناسب مع حجمها لدعم ادعاء الحكومة ان الانتخابات شفافة ونزيهة وبعيدة عن تدخل الحكومة، اما الاحزاب التي لها قوة وثقل فلن تسمح لها الحكومة بما تسمح به للاحزاب الصغيرة, والفطنة ليس حكرا على الاحزاب الصغيرة وليس للكاتب الحق بالحكم بالفطنة على قيادة حزب ونفيها عن اخرين، فلكل حزب ظروفه ورؤيته للواقع التي قد تختلف عن الاخرين، ولولا ان قرار الحزب الاسلامي قوي ومؤثر وقلب موازين الحكومة لما قامت كل هذه الضجة وتعالت صيحات الموجوعين من القرار وانبرى اصحاب اقلام للطعن في القرار