الديني والوضعي في رمضان

تم نشره في الاثنين 9 آب / أغسطس 2010. 03:00 صباحاً

بداية؛ الديني هو الفكر والسلوكيات المعبرة عنه وذات المصدر الديني المقدس لدى معتنقيه، فهم ملزمون به كما هو. أما الوضعي فهو العمل أو الممارسات التي وضِعت من قِبل البشر لمصلحة ما، ولا تتصف بالقداسة وبالتالي يمكن مناقشتها اختلافا أو التقاء معها.

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن الكريم، كان ومايزال سيدا للشهور في دورة الزمن، وهو سنامها منذ أربعة عشر قرنا وواحد وثلاثين عاما وفقا للتوقيت الهجري، كمتمم لهوية العالم الإسلامي وخصوصيته في آن. ما يعني امتلاك هذا الشهر معنى ومبنى؛ كل هذه المعيارية والإلزامية الطوعية للمسلمين بمختلف عناوينهم ولغاتهم الموزعة على امتداد هذه المعمورة.

لا يستقيم الحديث عن شهر رمضان من دون إعادة قراءتنا إلى جوهر منطلقاته التفكرية النبيلة وطبيعة التحديات التي تواجهنا في القرن الواحد والعشرين عربا ومسلمين في عالم أصبح أحادي القطب والمنطلقات والقرارات، فهذا عالم يميل إلى الصراع الحضاري أكثر من ميله إلى حوار الحضارات كما نُمني أنفسنا، لا سيما في شقها العلمي والاقتصادي.

بالرغم من أن العمل المنتج لإعمار أُمِّنا الأرض كمستخلفين عليها قد شكل مطلبا دينيا ووضعيا، إلا أن قيم العمل "الروحي والإنتاجي" لدينا كدول إسلامية نامية، بقي محط تساؤل ديني وعولمي معا.

الشواهد التاريخية للأمة العربية الإسلامية تُشير إلى أن معظم الفتوحات الإسلامية قد تمت في شهر رمضان مثلا، بينما نحن المعاصرين أخذنا بتقليص ساعات العمل وتدني معدلات الإنتاج فيها، ترابطا مع ارتفاع نزقنا كصيام غالبا، فغدا من المتداول القول "أنا صايم ماني قادر.. خليها/ أي عملية إنتاجية أو خدمية عامة، بعد رمضان أفضل..".

السؤال الحضاري الواخز في حياتنا الراهنة، أيهما الأفضل لنا الانحياز للعمل ولإعمار قيم الحياة كونهما عبادة كالعمل تماما في رمضان وغيره، أم الانحياز إلى الدعة والتأخير والتراخي العلمي والإنتاجي الذي لن يمكث في الأرض؟ خصوصا وأن الأجر على قدر العمل والله يضاعف لمن يشاء.أما ما يرتبط بالحكمة الإلهية العظيمة وبالمعنى الإنساني والتكافلي من فريضة هذا الشهر بالذات، فإنها تقوم على أن يبقى الإنسان إنسانا، في طبائعه وسلوكياته التي تمنح النفوس فرصا ضميرية لتفهم معاناة الآخرين من الفقر أو الأمراض، والظلم، وبالتالي ضرورة التعاضد معهم ومساعدتهم في التغلب على تحديات الحياة المختلفة، وبما يقوي النسيج الاجتماعي محليا عالميا.

رمضان نظام وتنظيم ديني واحد، لكنه لأقوام إسلامية متعددة آمنت به وأثبتوا أنهم مسلمون أيضا، وأن مجتمعاتهم تقدمت علينا نحن العرب الأقرب ديمغرافيا لجوهر الإسلام بناء وإنتاجا، وما نموذج بعض نمور ماليزيا وغيرها عنا ببعيد.

مع حلول هذا الشهر الفضيل، نحن مطالبون بإيقاد عدد من التساؤلات التي جعلت من الممارسات الرمضانية عادات وضعية بحاجة إلى وقفات ناقدة بهدف تقويمها وعدم بقائها مقترنة بممارسات رمضان الدينية، وبجرأة الباحث عن حقيقته الضالة ومنها:

هل الإسراف في الاستهلاك المظهري في موضوعات الطعام ومصاحباته من الكلام عند الأغنياء دون الفقراء من قيم رمضان؟ أم أن هذا الواقع هو ترسيخ للطبقية الآخذة في التفاقم بحياتنا، وابتعاد ضمني عن المضامين الشعورية النبيلة مع الفقراء والمعوزين؟

هل من المقبول ارتفاع منسوب الغيبة والترويح السلبي عبر السهر الباذخ، أو المبالغ فيه بحجة تقطيع ليل رمضان لصالح النوم في النهار، انتظارا منا لمجيء الإفطار؟

ألا يكفي التفكر بمعاني أن تكون مواعيد الإمساك والإفطار للمسلمين في هذا الكون موحِدة لهم، مثلما هي قِبلتهم وإنسانيتهم المطلوبة رغم اختلاف أصولهم ومواقيتهم وحتى لغاتهم؟

إنه رمضان خيط الروح والسلوك الناظم والمتجدد لسنوات الإيمان من المهد إلى اللحد عند معتنقيه.

husain.mahadeen@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجميل المبدع (الصحافي عامر العمرو)

    الاثنين 9 آب / أغسطس 2010.
    يا لجماليتك ايها المبدع . شكرا لهذا الكلام الجميل . ليس تحيزا لشخصك دكتور حسين . الا اننا لا زلنا ننهل منك الشيء الكثير . وفقك الله