عيسى الشعيبي

تقاسيم لحن لم يوزع

تم نشره في الجمعة 30 تموز / يوليو 2010. 03:00 صباحاً

حينما تكفهرُ السماء والوجوه والأوقات، ويغلُّ الشتاء يده إلى صدره كل الغل، ويبسط الصيف راحتيه المشققتين كل البسط ويتلكأ كثيرا في الانصراف، ندخل أنا والأرض في طور من العياء، نؤول أشعثين غبراوين متعرقين، يملأني الحس بالتشظي، وتملأ الأخاديد وجه التراب. لكننا نواصل التجلّد، لعبة الصبر والانتظار، ولا نبوح بسرنا المكتوم، بما يخر في الأديم من عطش وبما في العظام من وجع وما في الريق من نشاف.

أحاكي صفصافة تخلع قمصانها الخضراء في أواخر الخريف، تسبل عنقها الطويل بتبتل لهبوب الزمهرير في الفجر، تحصّن قلبها المخمليّ بالندى الذي خبأته بين أكمامها في الربيع، بالدفء الذي أودعته لحافها الخفيف في الصيف، وظلت واقفة تقاوم انقلاب الفصول والخصوم والرعاة، لا تعرف الانحناء ولا التنازل عن أي مظهر من مظاهر الاستقامة الذاتية والتطلع إلى الأعالي أو التسامح في مسائل الكبرياء.

أماثل نهرا غادره مجراه دفقة دفقة، غاض منه الماء، وانجلى مصبه عن حصى ناعم في القاع، عن حطام كثير وعن خواء لا يسر الناظرين، إلا أنه ظل في مستقر العميق يمسك على نفسه، على صمته البليغ، مقيما في مقامه الدهري لا يبدل الاتجاه.

أشابه واحداً من البراكين بعد أن يخبو في جوفه الاضطرام الذائب، حين يغدو كسيف الحال مظللا باليتم والحزن، تقدد صدره جروح غائرات مسكونة بقيح النار، يلتف من حول عنقه الرماد، ثم يصطلي بعد ذلك باليباس، ويضرب عليه الحصار من أربع الجهات، غير أنه يظل عصيا على التوقعات، حافلاً بالتوثب والتجدد والمفاجآت.

أماثل كل أولئك وهؤلاء، صورة طبق الأصل على وجه العموم: أرضا يشقق انقلاب الفصول روحها ثم يعيد لها الخصب من جديد، غصن صفصافة عاريا في مهب الريح يميل لماما غير أنه لا يعرف الانكسار، نهرا جف نبعه وغاض عن ضفتيه الماء، إلا أنه ظل في مستقره الأبدي راسخا لا يبدل الاتجاه، بركانا خامدا يحاصره الرماد من كل حدب، غير أنه معتصم بالصمت، يحسب جيدا حساب الوقت، واعد بالمفاجآت.

أبدو لأول وهلة كعاشق فاشل لم يعد في وسعه المكابرة أكثر قبالة الحائط المسدود وليس لديه قدرة إضافية على الاحتمال. أو قل كحال عازف تقطعت أوتار كمنجاته وضاعت منه تقاسيم ألحانه التي لم توزع من قبل، أو كمسافر أعياه الوقوف الطويل في محطة الانطلاق ونفدت لديه الآجال المضروبة له في محطة الوصول.

إلا أنني أنا المكابر المراوغ حارس الذكريات، مقيم هنا منذ أربعين صيفا مضت إلى أربعين خريفا قادمات، ومع أنني أقف على بعد خطوة أخيرة من الجدار الأخير، على قيد شعرة واحدة من الانفجار العظيم، سأبقى مقيما إلى أن تمل النفس صبرها، ويشفق بعضها على ما تبقى من بعضها، إلى أن ترعد السماء من جديد ويهطل السحاب، إلى أن يملأ النهر ضفتيه بالماء الرضاب، وتسترد شجرة الحور قمصانها الخضراء. مقيم ها هنا اليوم وغدا وبعد بعد ما أقام في مداره نجم الشمال، ما أقام جلعاد وقاسيون وعيبال وصنين، مقيم هنا إلى ما أشاء.

التعليق