نحو لا مركزية التعليم في الأردن

تم نشره في الخميس 29 تموز / يوليو 2010. 02:00 صباحاً

شهدت الأردن في العقود الماضية توسعا غير مسبوق في التعليم في كافة المراحل التعليمية. فبالإضافة إلى سياسة التعليم الإلزامية والتركيز على التنمية البشرية، والتي كانت علامة فارقة في التنمية والتي أدت إلى انتشار التعليم والتوسع له إلى كافة مناطق المملكة، فإن النمو السكاني والزيادة السكانية المرتفعة ولعقود خلت، ساهمت أيضا في ارتفاع أعداد المدارس والطلبة على حد سواء. هذا الإزدياد الكبير في أعداد الطلبة وانتشار المدارس في كافة مناطق المملكة، قد أدى إلى تحول وزارة التربية والتعليم مع مرور الوقت إلى مؤسسة بيروقراطية ضخمة تدير أكثر من خمسة آلاف مدرسة وتشرف على تعليم أكثر من مليون ونصف المليون طالب وعشرات الآلاف من الموظفين والمعلمين. إن هذا التوسع وهذا الحجم الكبير للوزارة أدى إلى تطور جهاز بيروقراطي مركزي يدير كل ما يتعلق بالعملية التعليمية من المركز لتنساب من خلاله الأوامر والتعليمات إلى الأطراف.

التوسع الكمي قد جاء في جزء منه على حساب نوعية التعليم وتراجع المستوى التعليمي بشكل عام، ولذلك إنني أعتقد أن المركزية في إدارة العملية التعليمية في الأردن هي جزء من المشكلة وأصبحت غير مناسبة وغير قادرة للنهوض بالعملية التعليمية ومواجهة التحديات التي يعاني منها القطاع التعليمي لعدة اسباب منها:

أولا: أن مركزية الإدارة لا تتماشى مع أسس الديمقراطية والتي تقوم على مشاركة كافة الأطراف في عملية صنع القرار وخاصة المدراء والمعلمين والذي أصبح يتناقض مع التوجه الرسمي للإدارة اللامركزية في البلاد.

ثانيا: أن المركزية في إدارة العملية التربوية لم تعد قادرة على الاستجابة لكل الاحتياجات التعليمية للمناطق المختلفة والتي تعيش ظروفا اقتصادية واجتماعية متباينة والتي تنتج عنها اختلالات في العملية التعليمية في عدد من المناطق المختلفة بسبب عدم المرونة في الأنظمة والتعليمات.

ثالثا: أن المركزية، ومع مرور الوقت، أدت إلى حدوث فجوة وهوة كبيرة في العملية التعليمية بين المركز والأطراف مما أدى إلى حدوث اغتراب لدى الإدارات والمعلمين في المناطق البعيدة عن المركز. وعادة ما يتذمر المعلمون والإداريون من ضعف العلاقة مع مركز الوزارة وعدم الاستفادة من خبراتهم في عملية التحديث والإصلاح التربوي علما بأنهم على تماس مباشر مع هذه المشاكل.

رابعا: أن الإدارة المركزية أدت ومع مرور الوقت إلى حدوث فجوة بين المدارس والمجتمع المحلي والأهالي فحدث ما يشبه انسلاخ هذه المدارس عن محيطها الاجتماعي وبيئتها المحلية مما أضر بشكل كبير في العملية التعليمية.

لهذه الأسباب مجتمعة وغيرها، فقد حان الوقت للتفكير بصيغة لا مركزية لإدارة العملية التعليمية والتربوية في الاردن ولكن يجب أن لا يفهم من هذه الدعوة للامركزية تغييب البعد الوطني للوزارة أو فكفكة الوزارة إلى وحدات إدارية غير متناغمة. لا بل على العكس، فيجب أن تبقى الوزارة المسؤولة عن السياسة التعليمية في الأردن، ولاستمرارها في الإشراف على المناهج والامتحانات الوطنية والعمل على إيجاد الأساليب المناسبة لضبط جودة التعليم والتي كلها يمكن أن تتحقق مع تطبيق اللامركزية، وفي الوقت نفسه إعطاء صلاحيات أكبر لمديريات التربية ومدراء المدارس في مجالات محددة والتفكير بطرق خلاقة لتعزيز العلاقة مع المجتمع المحلي وإشراكه في العملية التعليمية. إن عدم إعادة النظر بهذه البيروقراطية الضخمة سوف يؤدي إلى تفاقم المشكلات التربوية في المستقبل.

التعليق