محمد أبو رمان

هل تتناقض المصداقية مع الشعبية؟

تم نشره في الاثنين 19 تموز / يوليو 2010. 03:00 صباحاً

كرر رئيس الوزراء في مناسبات عديدة مؤخّراً القول "إنّ الحكومة تسعى إلى المصداقية وليس الشعبية"، وهو تصريح دقيق يعكس إدراكاً رسمياً متقدّما لخطورة "فجوة الثقة" المتنامية في الحكومات، ولأهمية تجسير التواصل مع الرأي العام بصورة دائمة ومباشرة.

لكنّ الإشارة الضرورية، هنا، أنّه لا تناقض بين المصداقية والشعبية، بل المصداقية هي المحدد الرئيس لموقف الرأي العام من أي حكومة، وكلما كانت هنالك شفافية وانسجام بين أفعال الحكومة وأقوالها، كلما أدّى ذلك إلى تعزيز الثقة لدى الرأي العام.

ذلك أن "فجوة الثقة" التي ضربت الحكومات السابقة وُلدت من رحم غياب المعلومة وانتشار سوق الإشاعات والأقاويل والتكهنات، ما جعل الرأي العام والإعلام في كثير من الأوقات "عالةً" على ما يتقوّله الناس وما يتردد في جلسات الغيبة في الصالونات السياسية.

وبالرغم من أنّ الأردن من الدول العربية الريادية التي تنبّهت لمسألة "حق الحصول على المعلومة"، وسنّت تشريعاً خاصّاً بها، إلا أنّ هنالك معاناة حقيقية ما تزال ماثلة في صعوبة انسياب المعلومات من المؤسسات المعنية إلى الإعلام ومنه إلى المواطن، ما يخلق شروخاً في المصداقية، ويوفّر مناخاً خصباً للتشكيك والخوف من الفساد، في ظل ظروف اقتصادية صعبة تعاني منها شريحة واسعة من الناس.

للأسف، فإنّ "القناعة" التي هيمنت على الأجواء الرسمية، خلال السنوات الأخيرة، تحمل منحىً عدائياً للإعلام، وتحمّله مسؤولية فشل الحكومات والسياسات الرسمية في مواجهة ملفات حساسة ووطنية، وكأنّ الحل هو في "التستر" على المشكلات حتى تتحوّل إلى أزمات حقيقية وكارثية.

"العنف الاجتماعي" مثال بارز على هذه القناعة الرسمية. إذ بقيت الأوساط الحكومية تتهم الإعلام بالمبالغة والتضخيم والتهويل، حتى أصبحنا أمام "شبح حقيقي" في انفجار العنف الاجتماعي، من الشمال إلى الجنوب، حتى في قلب عمّان الغربية.

المفارقة الغريبة أنّ هنالك "توجهاً" داخل الحكومة ما يزال يصرّ على إلقاء الكرة في ملعب الإعلام، لا الأزمات السياسية والاجتماعية، التي تغطس وراء هذه الظاهرة، حتى بعد تشكيل اللجنة الوزارية.

مشكلة هذا الاتجاه أنه لم يدرك بعد أنّ الحكومة إن تمكنت من السيطرة على الإعلام المطبوع والتقليدي فإنّها لا يمكن أن تسيطر على ثورة الإعلام المجتمعي، التي باتت تغزو حتى القرى النائية.

أتمنّى أن يلقي مسؤولونا نظرات، ولو خاطفة، على الإعلام الإسرائيلي، ليلمسوا الفرق عياناً واضحاً بيننا وبينهم. فصحيفة مثل هآرتس تنتقد الحكومة الإسرائيلية في قضايا الفساد والسياسات العسكرية والأمنية وتأزيم العلاقة مع العرب والأتراك، بلغة قاسية وحادّة، لكنك لا تجد من يصنفها بالعدمية والسوداوية أو الإضرار بمصالح الوطن!

الإعلام الحرّ هو مصدر قوة حقيقية لأي دولة، داخلياً وخارجياً، حتى لو زادت جرعة النقد فيه. وكما أنّ الحكومة تخسر شعبياً إذا فقدت مصداقيتها، فإنّ الإعلام يصبح مفلساً إن خسر مصداقيته واستقلاليته، حتى لو كان ابن الدولة، فما بالك بالإعلام الخاص، عندها من حق الناس أن تلجأ إلى الإعلام الآخر، حتى لو كان يدس السم في العسل، وتحكمه روح عدائية، فنحن من جرّ على أنفسنا هذه الخسارة الثقيلة!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نتمنى التوفيق لدولة الرئيس (ابو خالد)

    الاثنين 19 تموز / يوليو 2010.
    دولة الرئيس ذكي ,المصداقية حتما تقود الى الشعبية ,ففي طلبه للمصداقية سيكافيء بالشعبية.
    نعم فجوة عدم الثقة اتسعت ووصلت حدا اعتقد انه من الصعب جدا تجسييرها الا اذا اظهرت الحكومة المصداقية في كل شيء ,والان يوجد محكين لأختبار المصداقية ,الاول الانتخابات النيابية القادمة ومدى نزاهتها وشفافيتها والثاني التزام الحكومة بما الزمت هي نفسها به الا وهو ضبط انفاقها والتزام اعضاءها ومسؤوليها بالمحافظة على المال العام ,قرار مجلس الوزراء رقم 832 والذي طلب دولة الرئيس اعادة تعميمه فور تسلمه منصبه والذي يتضمن عدد من الاجراءات لترشيد وضبط الانفاق الحكومي لا يزال غير ملتزم به من قبل الكثيريين من اعضاء الحكومة ومسؤولين الصف الاول.قرار دولة الرئيس ببيع 30% من السيارات الحكومية نتمنى ان يكون الخطوة الاولى بهذا الاتجاه .لأنه من غير المعقول ان يستعمل المسؤول وعائلته وابناؤه سيارات حكومية وبنزين حكومي .اتمنى من دولة الرئيس ان يدفع كل من استفاد من المال العام بدون وجه حق واعادته الى الخزينة وبأثر رجعي فقط منذ تسلم الرئيس منصبه الى غاية اليوم . واتمنى كذلك من دولته ان يلغي "المنزل الوظيفي" المعمول به في المنطقة الاقتصادية الخاصة فقط وأن يسكن كل مسؤول على حسابه الخاص ,اذ بسبب وجود هذه الميزة الحكومية ,فأن احد المسؤولين مقيم بجناح فندق خمس نجوم بأجرة شهرية تبلغ 15000 دينار منذ 1/8/2009 ولغاية اليوم !!!
  • »رئيس وزراء ع الاتيكيت (ابن الضفتين)

    الاثنين 19 تموز / يوليو 2010.
    بالله عليك بالله عليك يا ابو رمان شخص مدلل وما دفع تعريفة من جيبته لتعليمه الجامعي وطول عمره عايش بالفلل والقصور وشمات الهوا..بينفع يكون رئيس وزراء؟ هل بحس بهي توفير لقمة الخبز لتاني يوم او توفير المصروق لاطفال الفقير؟
    لأ ويضايق عالاعلام..
    وكل مميزاته ابو رئيس وزراء سابق...
  • »الخاسر الكبير هي المعلومة وثم المصداقية (د. عبدالله عقروق /فلوريدا)

    الاثنين 19 تموز / يوليو 2010.
    مقال معبر جدا وواقعي .فأنا كنت من اوائل المواطنين الذين كانوا متحاملين على الأعلام .ولكن في الأيام الأخيرة غيرت وحهت نظري 180 درجة ..وأصبحت اشعر بأن اصحاب الصحف ، ورؤوساء التحرير ، وجميع الصحفين العاملين بالصحافة هم بشر بعيلون عائلات كبيرة الحجم من وراء أعمالهم .وهؤلاء اصحاب الصحف والمواقع قد دفعوا كل ادخاراتهم لينشؤا الصحيفة أو الموقع فأن نشروا ، أو كتبوا ما بسيء للخطوط الحمر فتتوقف صحفهم ، أو تتعطل مواقعهم ، ويصبح الصحفيون بدون عمل ، فتجوع عائلاتهم لآنه ليس لهم ايا من الموارد المالية لأعالتهم ..توسمنا خيرا عندما قال جلالته السماء هي السقف في الحريات العامة ، وهللنا ، وقلنا لأنفسنا بأن الحريات قد تحررت من ذلك الكابوس الذي كان يقلقك مضاجعنا ...ولكن تبين لنا أن جلالة الملك يريد ، وبعض المؤسسات الرسمية لا تريد ..فمن هو الخاسر هنا فهي المعلومة الصادقة,,وهكذا يصبح الأعلام مبرمجا من قبل بعض المؤسسات ، ويصبح اعلامنا ما تقوله جريدة الرأي لا أكثر ولا أقل ..محظوظون الصحفيون الذين يعملون في جريدة الرأي ..فهم صحافيون باقون .