المواطنة واللامركزية على طريق الإنضاج

تم نشره في الاثنين 19 تموز / يوليو 2010. 03:00 صباحاً

من منظور علم اجتماع التنمية، يُمكن القول إن ذروة اللامركزية الإدارية تتجلى بصدور قانونها التنظيمي المرتجى أردنيا، وفي حال حدوث هذا، فإن لهذه الصيغة الجديدة مُصاحباتها السلوكية المتمة على الصعيدين الاجتماعي والثقافي، وهما اللذان يحددان أشكال وعمق التفاعلات الحياتية نجاحا أو إخفاقا، سواء في البادية، أو الريف، أو المدينة كثقافات فرعية ضمن المجتمع الأردني الأوسع.

في السياق، يجدر التنبه إلى أنّه لا يستقيم الاستعداد القبلي للتحول نحو (اللامركزية) الإدارية من دون العمل على تهيئة الوجدان والسلوك الشعبيين المُسبقين لمعطيات وفوائد الانفتاح على ثقافة وطبائع الشرائح الأخرى من مكونات ثقافتنا الفرعية التي ذكرت.

ذلك أنّ اللامركزية ليست قرارا إداريا أصم، أو مُنبت الجذور عن طبيعة ووعي المكونات الجغرافية والسكان في كل إقليم ضمن الهوية الوطنية الأرحب؛ بدءا من ضرورة معرفتنا كمواطنين للعادات والطبائع، والأعراف الاجتماعية/ الثقافية المُميِزة لكل منطقة أردنية، إضافة إلى المعرفة الواعية بأهمية ونوعية الموارد الطبيعية والبشرية الاميز المتوافرة في تلك المناطق؛ بالمعنى التنافسي والاستثماري.

وتتأثر عملية الإفادة من الموارد بتفضيلات القادمين والقاطنين معا لكل منطقة، في اختيار عناوين ومناحي التفاعل المشترك بين مقدمي الخدمات والمستثمرين، أو على حجم فرص التفاعل المشترك فيما بينهم؛ إذ ستطال هذه التغيرات المتنوعة اللامركزية (سواء القادمة للمناطق أو المُصدرة منها) تفاصيل الحياة اليومية لأبناء الوطن عموما من عادات وتقاليد، والاهم أنها ستُنجب تثاقفا نوعيا متناميا بين المحافظات والعاصمة، وهذا الواقع من شأنه أن يُنضِج خبرات واتجاهات جديدة لاحقة، تقوم على ضرورة إتقان العمل والإدارة والتعامل الجديد مع هذه الموارد والحراك السكاني بصورة تعبر عن أن هناك جديدا قد حدث في حياة الناس ومتطلبات توزيع مكتسبات التنمية في مسيرتهم الجديدة.

هذه المعارف القبلِيّة المطلوبة من الاعلام ايضا قبل ومع صدور قانون اللامركزية الإدارية؛ تخطيطا ومناهج إدارة، وصلاحيات التشاركية مع القيادات المحلية في التخطيط والتنفيذ التنمويين...الخ، تُمثل متطلبا سابقا وضروريا لنجاح الخطوات الإجرائية لقبول ونجاح التفاعل الناجز مع أطروحات (اللامركزية) عملا بما تقوله نظيرات التخطيط الاجتماعي من جهة، ومن جهة ثانية الشروع منذ الآن في نجاح الاستعدادات الأولية لبناء شراكات جديدة وغنية بالتجارب بين الأفراد والمؤسسات المحلية- الوطنية المتنوعة العناوين وضمن أية منطقة تنظيمية متوقع شمولها بالقانون.

لا شك أن مفهوم اللامركزية ينبثق من رحم التجارب الوطنية الراشحة من احترام القانون، وبالتالي العمل بوحي من متطلباته اليومية القائلة والمُمارسِة فعلا أن الجميع متساوون أمام القانون كمواطنين، الأمر الذي يعني ضمنا تقلصا واضحا في درجة تأثير العلاقات الأولية/ القرابية والجهوية، شمال/ جنوب، أو حتى المحلية المطالبة بامتيازات لأبناء المجتمع المحلي، وبصيغ لا تقوم إلى الآن على المنافسة المهارية لأبناء تلك المحليات مع القادمين من كل أرجاء الوطن سواء في القطاع العام عند التعيين أو حتى في الشركات الخاصة خارج العاصمة عموما.

كما أن هذا الفهم القانوني للامركزية سيُمثل ضبطا رسميا خارجي المضامين، وهو الأسهل والاشمل في تحديد العلاقات المتساوية بين مناطق وأبناء الوطن بتعدد منابتهم وأصولهم كأردنيين.

أعتقد أن التحدي الأصعب الذي يفترض النجاح في التواؤم مع معطياته هو أدوات الضبط الداخلية/ الأعراف والتقاليد ودرجة التوجه والإنتاج في العمل لارتباطهما العضوي بطبيعة واتجاه تفضيلات وخصائص سكان كل من أقاليم و/أو ولايات اللامركزية كما رشح. وما تنازع الضبط الاجتماعي أردنيا بين ما هو قانوني مدني وما هو عشائري أو جهوي عنا ببعيد. إذ يفترض أن يصار إلى تحديد أبرز وأقوى ملامح الوعي الجمعي لأهمية سيادة القانون بالترافق مع الشروع في تنفيذ إجراءات وميزانيات انتقالية متنامية وبمراحل مدروسة على طريق التحول الكامل مستقبلا نحو نظام اللامركزية المنشود.

husain.mahadeen@alghad.jo

التعليق